ومن خلال هذا يتّضح الفرق بين المفهوم وبين سائر المداليل الالتزامية ، كوجوب المقدمة مثلا الذي هو مدلول التزامي لوجوب ذي المقدمة ، فإن قولنا :
يجب الحج مثلا يدل على وجوب السفر وتهيئة تذكرة السفر وهكذا ، ووجوب الأمور المذكورة مدلول التزامي ، وهذا المدلول الالتزامي مستفاد من خصوصية أيضا ، وهي خصوصية الملازمة العقلية بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، إلّا أن هذه الخصوصية لا يدل عليها نفس اللفظ - أعني لفظ يجب الحج - وإنما هي خصوصية يقضي بها العقل من دون دلالة اللفظ عليها .
وعليه فالفرق بين المفهوم وبقية المداليل الالتزامية هو أن المفهوم يستند إلى خصوصية دلّ عليها اللفظ ، بخلاف بقية المداليل الالتزامية ، فإنها تستند إلى خصوصية لا يدل عليها اللفظ .
هذه هي حقيقة المفهوم . وهناك أمور جانبية ترتبط به ، من قبيل أن المفهوم هو حكم انشائي أو اخباري ، « 1 » ومن قبيل أن المفهوم قد يطابق المنطوق في السلب والإيجاب - ويصطلح عليه بمفهوم الموافقة - وقد يخالفه ، ويصطلح عليه بمفهوم المخالفة ، « 2 » ومن قبيل أن الخصوصية التي يدل عليها اللفظ قد يدل عليها بسبب الوضع وقد يدل عليها بسبب مقدمات الحكمة .
هذه أمور جانبية ثلاثة ، وبيانها ليس مهما ، وإنما المهمّ هو أن نعرف أن المفهوم مدلول التزامي مستفاد من خصوصية يدل عليها اللفظ .
هامش
( 1 ) مثال الإنشاء : إذا جاءك زيد فأكرمه .
ومثال الأخبار : إن زرتني زرتك .
وكان من المناسب تحديد المفهوم بالمدلول الالتزامي .
( 2 ) مثال مفهوم الموافقة :فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ،فإنه يدل على حرمة الضرب بالأولوية .
ومثال مفهوم المخالفة : جميع المفاهيم غير مفهوم الموافقة .