تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
حالق فليس لها سناد قويّ البتة . وهي ، وفقا للمحك التقليدي الذي به تعرف صحة الروايات ، رواية ضعيفة متهافتة ، ذلك بأن الزّهري ، الذي أسندت اليه ، عاش في عهد متأخر ؛ ولكي تكون أيما رواية موضع الثقة والاعتماد يتعيّن أن تسند إلى أحد صحابة الرسول مباشرة . ومن هنا فليس في استطاعتنا أن نعلّق عليها كبير أهمية . وفوق هذا ، فأن الفكرة القائلة بأن الرسول فكّر في الانتحار غير متناغمة مع حال قلبه . فمنذ صباه الأول كان قلبه يتوهج بالرغبة في الاصلاح الانساني . فهل يعقل ان يفكر الآن بالانتحار بعد أن عهد اللّه اليه بأداء هذه الرسالة نفسها ؟ وإذا صحّ ان القوم لاحظوا على الرسول في هذه الفترة أيما عمل غير مألوف ، فما كان ذلك ليعدو اختلافه إلى الجبال أكثر من ذي قبل . ولكن علينا أن لا نقفز إلى استنتاج غير معقول ، ولا تبرره المقدّمات ، فنزعم انه مضى إلى هناك لكي ينتحر . لقد كان من دأبه أن ينطلق إلى الجبال قبل تلقّيه الوحي بزمن طويل . ولقد كان طبيعيا ، وهو النزّاع إلى التأمّل ، أن يلتمس العزلة في الجبال ، وهي خير مكان يستطيع فيه أن يفرغ للتحنّث والتفكّر . وهكذا فليس ثمة أيما سبب يدعونا إلى الافتراض انه قصد إلى الجبال وفي نيته ان ينتحر . وإذا كان قد طوّف بها ، في حال من الارتباك أقوى وأعنف من حاله السابقة - وهذا أقصى ما يستطيع المرء أن يزعمه - فليس من العسير الاهتداء إلى السبب الذي حمله على ذلك . فلم يكد النور الإلهي ، الذي طالما التمسه في لهفة بالغة ، يومض لعقله حتى خبا . وزاده هذا قلقا على قلق . وتعاظم توق فؤاده إلى سماع الكلمات الإلهية الحلوة ، كرة أخرى . ومن هنا كان انطلاقه نحو الجبال التماسا لشيء عزيز على قلبه ليس غير . ولقد قام بذلك وهو خالي الذهن من فكرة الانتحار . وكل حدث من أحداث حياته التي تلت يكذّب مثل هذا الظن . ففي وجه أقسى الظروف وأدعاها إلى إثارة الحيبة لم يتزعزع ايمانه