تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
اعتنق آخر الامر الديانة النصرانية . وكانت خديجة تدرك إدراكا حسنا ما يعتلج في صدر نسيبها من ألم مبرّح لعدم اهتدائه إلى دين يوقع اليقين في قلبه التائق إلى الحق . ولعلها أن تكون قد سمعته يتحدث عن ظهور النبي الموعود ، « المعزّي » الذي كان يسوع قد تنبأ بمجيئة . فما إن وجدت محمدا يدعى إلى أداء هذه الرسالة حتى مضت معه إلى ابن عمها ، شعورا منها - من غير ريب - مع هذا الأخير الذي كان قد فقد بصره وأمسى عاجزا عن الحركة بعد أن بلغ سنا عالية . ولم يكد ورقة يسمع ما نزّل على محمد من وحي وكيف نزّل حتى هتف : « [ قدّوس ، قدّوس ! والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة ] لقد جاءه الناموس الذي كان يأتي موسى ، » مشيرا بذلك كما هو واضح إلى النبوءة التي أطلقها موسى . ثم أضاف : « [ ولتكذّبنّ ، ولتؤذينّ ، ولتخرجنّ ، ولتقاتلنّ ] ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرنّ اللّه نصرا يعلمه . » فسأله النبي ، في دهش ، أتكون هذه هي المعاملة التي سيلقاها من أهله وعشيرته . فأجابه ورقة قائلا : « نعم ، هذه هي المعاملة التي يلقاها كل نبيّ . » وما هي إلا فترة يسيرة ، حتى توفي ورقة . وبسبب من هذا التوكيد الذي صدر عنه لصدق رسالة محمد اعتبره المسلمون واحدا من صحابة الرسول . وبعد هذا الوحي الأول الذي نزّل عليه في غار حراء انقطع جبريل عن زيارة محمد فترة من الزمان . وهذه هي المدة المعروفة ب « فترة انقطاع الوحي » . والعلماء مختلفون اختلافا كبيرا في مدى استمرار هذه الفترة ، فذهب بعضهم إلى أنها دامت سنتين أو ثلاث سنوات ، ولكن ما رواه ابن عباس من أنها لم تدم غير برهة قصيرة أجدر بالاعتماد ، وهو معزّز بالبيّنة التاريخية . أما القصة القائلة بأن النبي كان يصعد خلال هذه الفترة إلى رؤوس الحبال ليلقي بنفسه من
حياة محمد ورسالته — صفحة 70 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي