تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
صدره ضما وثيقا ، وسأل كرة أخرى أن يقرأ . لقد كرر الملك سؤاله هذا ثلاث مرات ، وفي كل مرة كان الرسول يقول إنه لا يحسن ذلك . عندئذ تلا الملك عليه الآيات التي توّجنا بها هذا الفصل ، والتي حملت معنى ذا شقين . لقد أكّد للرسول انه برغم عجزه عن القراءة فأن محاولته ذلك خليق بها - إذا ما تمّت باسم اللّه - أن تقترن بالنجاح . وقد انطوى هذا على درس عام يتلخص في أن أيما شيء يظنّه أعسر من أن يقوم به بنفسه لا بدّ أن يمسي هينا يسيرا بعون من اللّه . هذا أولا . واشتملت الآيات ، ثانيا ، على إلماع إلى الثقافة العريضة التي قدّر لها أن ترى النور بفضل النبي . وكان هذا هو اليوم الذي ألقيت فيه على منكبيه ، أول ما ألقيت ، تبعات النبوة الثقيلة . وهكذا انكشف له ، آخر الأمر ، السبيل القويم الذي طالما بحث هو عنه في كثير من الحيرة والارتباك . وأومض له النور الذي طالما سعى اليه في توق عظيم . بيد أنه أعلم في الوقت نفسه أن مهمة الاصلاح الانساني الضخمة سوف تقع على عاتقه . ولقد كان خليقا به ، وهو الذي يشارك كلّ الناس ضعف الانسان الفطريّ ، أن يستشعر ثقل المسؤولية حتى ولو كانت عادية . إن اصلاح الجنس البشري مهمة تثير في نفس المرء أعظم القلق وأبهظه . فقد كلّف موسى اصلاح أمة مفردة ، ومع ذلك فقد وجد نفسه أعجز من أن يقوم بذلك من غير مساعدة ، وهكذا صرخ طالبا العون الإلهي :
« وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي . هارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . »
* أما الرسول الكريم ، محمد ، فقد كلّف بأحياء الجنس البشريّ كله ، الغارق في الدّرك الأسفل من الانحطاط . ومع ذلك فأن قلبه الجريء لم يتكشّف لحظة واحدة عن أضأل قدر من الجزع ، برغم ثقل المسؤولية القاصم للظهر أو يكاد . لقد نهض بالعبء كله ،
هامش
( * ) السورة 20 ، الآيات 29 - 31 .