تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
يردّد الشهادتين وأن يدعو نفسه مسلما . وكان له ولد اسمه عبد اللّه أيضا ، ولكنه كان مسلما صادق الايمان ، فأقبل عبد اللّه هذا ، لدن وفاة أبيه ، على الرسول والتمس منه فضلين : أولا أن يعطيه رداءه كي يتخذ منه كفنا لأبيه ، وثانيا ان يصلي بنفسه صلاة الجنازة عليه . ماذا ؟ أمثل هذه المعاملة لعدوّ مثل عبد اللّه بن أبيّ ! وهي معاملة مخصصة للأصدقاء . ولكن قلب الرسول كان أكرم من أن يضنّ ، حتى على عدوّ لدود ، بفضل . وهكذا أجاب عبد اللّه إلى ما طلب ، فقدم اليه رداءه يكفّن به أباه ، واستعد لإقامة الصلاة عليه . فلم يكن من عمر بن الخطاب إلا أن حاول ثنيه عن ذلك ، مؤكدا ان الميت كان عدوّا للاسلام كبيرا . ولكن الرسول قال إنه سوف يصلي ، برغم ذلك ، على جثمانه . فاحتج عمر لافتا نظر الرسول إلى الآية القرآنية التي تقول :
« اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ .
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » * . فأجابه الرسول بقوله : « اذن فسوف أستغفر له أكثر من سبعين مرة . » ولقد سبق منا القول إن كرمه نحو المكيين كان لا يعرف حدودا ، وها إن موقفه من هذا العدو الداخلي الألدّ لا يقلّ عن موقفه من المكيين سماحة وكرما . يا للمشاركة الوجدانية السابغة ! لا ريب في أنه الشخصية الوحيدة في التاريخ المؤهلة بحكم الوقائع والأرقام الثابتة لأن ينادى به « رحمة للعالمين » . كان فؤاده يفيض رأفة رؤوما لا بأصدقائه فحسب ، بل بألدّ أعدائه أيضا . وخمدت عداوة المنافقين للاسلام بوفاة عبد اللّه بن أبيّ . إن فضائل الاسلام ما لبثت أن تجلّت لهم ، على نحو تدريجيّ ، بعد أن أخفقت
هامش
( * ) السورة 9 ، الآية 80 .
حياة محمد ورسالته — صفحة 230 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي