لغلامين يتيمين [ هما سهل وسهيل ابنا عمرو ] ، فقدّماه للرسول ، بالمجان ، لبناء مسجد عليه ، ولكنه لم يرتض أن يقبله من غير ثمن .
وهكذا تعين عليهما أن يقبلا الثمن . فكان أول عمل تمّ هناك هو بناء المسجد ، وقد شيّده الرسول وأصحابه بأيديهم . والواقع ان كل امرئ اعتبر هذا العمل التطوّعي فخرا له وشرفا ، فكانوا يردّدون مع الرسول ، وهم يرفعون قواعد المسجد : « اللهم ، لا سعادة إلا سعادة الدار الآخرة . اللهم ، انصر المهاجرين والأنصار ! »
وكان المسجد يتّسم بالبساطة الكاملة : فقد بنيت جدرانه الأربعة من الآجر ، ودعم سقفه بجذوع النخيل ، وغطي بسعف الشجر نفسه .
ولم يكن قادرا ، بوصفه هذا ، على أن يذود المطر عن أرضه غير المعبّدة ، فهو يجعلها موحلة . وللتغلب على هذه العقبة ، فرشت أرضه بالحصى ، وفي زاوية من الفناء أقيم ضرب من المنصّة المسقوفة لايواء من لا سكن لهم ولا أسرة . ولقد عرف الذين أقاموا هناك بأهل الصّفّة . وكان هذا ، إذا جاز التعبير ، ضربا من المدرسة الدينية ملحقا بالمسجد ، ذلك بأن هؤلاء القوم كرّسوا وقتهم لدراسة الدين . وفي محاذاة المسجد بني مسكنان لأسرة الرسول .
كان المسلمون ، خلال مقامهم في مكة ، لا يستطيعون إقامة الصلاة على رؤوس الاشهاد جماعة . أما وقد أجازت حال السلم في المدينة إقامة الصلوات جهارا فقد درست ذات يوم مختلف الطرائق التي يستطاع بها دعوة المؤمنين إلى الصلاة في مواقيتها . وفي الليلة نفسها كان عمر [ ابن الخطاب ] قد رأى في ما يرى النائم رجلا يردد « اللّه أكبر ! اللّه أكبر ! » - أي نص الأذان الذي أمسى منذ ذلك الحين ملء الأسماع . وفي صباح اليوم التالي قصّ رؤياه على الرسول . وكان صحابي آخر قد رأى الرؤيا نفسها أيضا . فلم يكن من الرسول إلا أن تبنّى هذا النصّ أذانا رسميا . وأقيمت هنا أول صلاة جمعة
حياة محمد ورسالته — صفحة 126
مساهمون: مولانا محمد علي
ص١٢٦