جامعة يوم غادر الرسول قباء ودخل مدينة يثرب .
حتى إذا نظّم الرسول الصلاة على هذا النحو التفت إلى مسألة إعالة اللاجئين . كان معظمهم ، خلال مقامهم في مكة ، يحيون في رغد وسعة ، بيد انهم اضطروا بعد ذلك إلى أن يخلّفوا ثرواتهم وممتلكاتهم وراءهم . وهكذا عقد الرسول اخوة بين الأنصار والمهاجرين - أخوّة فريدة في تاريخ العالم . فجمع برباط الإخاء بين المرء من المهاجرين والمرء من الأنصار . ولقد أخذ القوم بأسباب التعاطف والحب اللذين بنيت عليهما هذه الأخوّة الجديدة أخذا رائعا لم يسبق إلى مثله . فآوى كل من الأنصار أخا له من المهاجرين ، فشاطره بيته ، وقاسمه أمواله وأمتعته على نحو متكافئ . وكان الأنصار أصحاب زراعة ، ولقد رغبوا في أن يقتسموا مزارعهم مع إخوتهم بالتساوي . وكان المهاجرون أصحاب تجارة ، فهم يجهلون الزراعة جهلا كاملا . وحين أدرك الأنصار ذلك قالوا إنهم سوف ينهضون بالعبء كله بأنفسهم ويقدّمون نصف الغلال إلى المهاجرين . وبكلمة موجزة ، فقد كانت الرابطة الجديدة من القوة بحيث بزّت حتى صلة الدم بين الاخوة الأشقاء . يدلك على ذلك أن ممتلكات أحد المتآخيين كانت ، إذا ما توفاه اللّه إليه ، لا يرثها أخوه من أبيه بل أخوه في الإيمان . ولكن القرآن الكريم حظّر أن يذهب بتلك الرابطة إلى هذا المدى ، وأوصى بأن ينتقل الإرث ، بالطريق الطبيعي ، إلى ذوي الارحام .
[ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ . وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ]
*
ولئن كانت هذه هي روح التضحية الأصلية التي تلقّى بها الأنصار اخوانهم في الدين فأن المهاجرين ، بدورهم ، لم يستغلوا مشاركتهم
هامش
( * ) السورة 8 ، الآية 75 .