وكيف كان ، فأصل البراءة بالمعنيين اللّذين ذكرناهما « 1 » ، يمكن جعله موضوعا للمسألة التي نحن على صدد بيانها .
والحقّ ، أنّه بالمعنيين حجّة شرعيّة ، ومقتضاه نفي التكليف ورفع الحكم المشكوك فيه ، وهو مختار أكثر العلماء .
وذهب جماعة إلى التوقّف ولزوم الاحتياط .
ثم إنّ الاستدلال بأصل البراءة إمّا فيما يستقلّ العقل بالحكم بإباحته قبل وصول الشّرع كشمّ الورد وأكل الفاكهة أو لا .
والثاني : إمّا ورد فيه نصّان متعارضان ، أو لم يرد فيه نصّ أصلا .
فالإباحة في القسم الأوّل إنّما يثبت بالعقل . وفائدة التمسّك بأصل البراءة نفي منع الشّارع ما لم يثبت المنع بدليل يقطع العذر ، إذ قد بيّنا فيما سبق أنّ حكم العقل بالإباحة لا ينافي أن يكون في ذلك الشّيء مفسدة كامنة لا يظهر إلّا ببيان الشّرع ، وأنّ احتمال ذلك لا يضرّ فلا بدّ لمن يدّعيه من إثباته ، فالتمسّك بأصل البراءة حقيقة إنّما هو لأجل نفي ذلك ، لا لإثبات الإباحة العقليّة .
وأمّا ما لا يستقلّ العقل بالحكم بإباحته ، كالتكفير حال الصلاة مثلا ، وعدم وضع الأنف على الأرض حال السّجود ؛ فأصل البراءة تنفي الحرمة في الأوّل لو لم يثبت النصّ عليها ، والوجوب في الثاني . فيبقى الفعل في الأوّل والترك في الثاني مسكوتا عنه عند العقل ، لأنّهما ليسا كشمّ الورد وأكل الفاكهة ، ولكن يلزمه
هامش
- الأصول وقد ذكر جملة منها في « الوافية » فراجعها .
( 1 ) وهما استصحاب البراءة السّابقة ، والقاعدة المستفادة من العقل والنّقل أن لا تكليف إلّا بعد البيان .