العجز عن الترجيح ، كما هو منصوص عليه في الأخبار ، مدلول عليه بالاعتبار ، فالأخذ بكلّ ما رأيناه أوّلا من حديث أو ظاهر آية أو استصحاب مع وجود الظنّ الغالب بوجود المعارض ، مجازفة من القول ، إذ يلزم على هذا التخيير في العمل مطلقا ورأسا ، وهو باطل جزما .
وبالجملة ، الذي نجزم به ويمكن أن نعتقده بعد ثبوت العجز عن تحصيل العلم وسدّ بابه ، هو استخراج الحكم عن هذه الأدلّة في الجملة ، بمعنى أنّه يمكن الاعتماد على ما حصل الظنّ بحقيقته من جملتها ، لا الاعتماد على كلّ واحد منها .
والأصل حرمة العمل بالظنّ إلّا ما قام عليه الدّليل ، ولم يقم إلّا على هذا القدر ، مع أنّا لو قلنا أنّه يجوز لكلّ من رأى حديثا أو فهم استصحابا أن يعمل عليه ، وكذلك سائر الأدلّة ، فيصير الفقه حينئذ من باب الهرج والمرج ، ولا يكاد ينتظم له نسق « 1 » .
فإن قلت : إنّك قائل بأنّ الخبر الصّحيح من باب الخبر الواحد حجّة مثلا ، فإذا رأينا حديثا صحيحا نعمل عليه لأنّ الأصل عدم المعارض ، ولا علم لنا بوجوده فيه بخصوصه ، وهكذا في غيره « 2 » .
قلت : إجراء الأصل مع وجود العلم بوجود المعارضات غالبا لا معنى له .
فإن قلت : العلم بوجود المعارضات إنّما هو في الجملة ، وليس في خصوص هذا الحديث .
قلت : إنّ هذا يصير من باب الشّبهة المحصورة التي حكموا بوجوب الاجتناب عنها ، مع أنّا لو قلنا بجواز الارتكاب في الشبهة المحصورة أيضا إلى أن يلزم منه
هامش
( 1 ) بمعنى نظام .
( 2 ) من الأدلّة أو الأخبار كالموثّق .