لأنّ مقتضى العقل في الاشتغال اليقيني بترك الحرام الواقعي هو الاحتياط والتحرّز عن كلا المشتبهين ، حتى لا يقع في محذور فعل الحرام . وهو معنى المرسل المرويّ في بعض كتب الفتاوى : « اترك ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس » ، فلا يبقى مجال للاذن في فعل أحدهما ،
شرح
الاجتناب عن الخمر الواقعي ، سواء علم به المكلّف أو تردد بين اناءين أو ما أشبه ، وذلك ( لأنّ مقتضى العقل في الاشتغال اليقيني بترك الحرام الواقعي ) قوله :
« بترك » متعلق « بالاشتغال » ( هو : الاحتياط والتحرّز عن كلا المشتبهين حتى لا يقع في محذور فعل الحرام ) إذا صادف الواقع .
والحاصل : إنّ أدلة الحلّ ليست مانعة عن مقتضى العلم الاجمالي الذي هو الاجتناب عن كليهما ، بل ( وهو ) أي : الذي ذكرناه : من وجوب الاجتناب عن كليهما ( معنى المرسل المرويّ في بعض كتب الفتاوى ) كسرائر ابن إدريس رحمه اللّه :
( اترك ما لا بأس به ) أي : الحلال ( حذرا عمّا به البأس ) « 1 » أي : الحرام ، فإذا اختلف الحرام بالحلال وجب ترك الحلال لئلا يقع في محذور الحرام .
وعليه : ( فلا يبقى مجال للاذن في فعل أحدهما ) كما لا يجوز ارتكاب كليهما ، فإنّ ارتكاب كلا المشتبهين مناف لتنجز التكليف المعلوم اجمالا - حسب ما عرفت - واجراء البراءة في أحدهما فقط مناف لقاعدة الاشتغال ، فانّ الاشتغال اليقيني بحاجة إلى البراءة اليقينية ، والبراءة اليقينية لا تحصل الّا بالاجتناب عن جميع الأطراف .
هامش
( 1 ) - إشارة إلى الحديث الوارد عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس ، الصراط المستقيم : ج 1 ص 135 ، وقريب منه في تحف العقول : ص 60 ، الألفين : ص 312 ، مجموعة ورام : ج 1 ص 60 .