شرح
وأراد المصنّف رحمه اللّه بتوضيح مراد المحدّث البحراني دفع ما أورده الوحيد البهبهاني بالوجوه المتقدّمة . وتوضيح المقام : أنّ مراد المحدّث المذكور بعدم اشتراطه في التقيّة موافقة الخبر لمذهب العامّة هو بيان منشأ اختلاف أكثر الأخبار المأثورة عن أئمّتنا المعصومين عليهم السّلام ، مع فرض قطعيّة سندها كما يراه جماعة من الأخباريّين ، إذ ربّما يستبعد ذلك مع هذا الاختلاف الذي لا يكاد يجتمع ، فأراد دفع هذا الاستبعاد بأنّ الاختلاف فيها إنّما جاء من جهة التقيّة لا من جهة دسّ الأخبار المكذوبة فيها ، لتهذيبها وتنقيحها منها في الأزمنة المتأخّرة ، وأنّ التقيّة لا تنحصر فيما كان هنا قول من العامّة موافق للخبر ، لأنّ الخبر كما أنّه قد يصدر عنهم عليهم السّلام خوفا من العامّة المتوقّف دفع ضررهم على موافقتهم ، كذلك قد يصدر لأجل إلقاء الخلاف بين الشيعة وتكثير مذهبهم وإن لم يكن موافقا لمذهب أحد من العامّة ، لئلّا يعرفوا فيؤخذ رقابهم .
وبالجملة ، إنّ الأئمّة عليهم السّلام كما كانوا يتّقون عن هؤلاء الكلاب أحيانا بإظهار الموافقة ، كذلك كانوا يتّقون عنهم أحيانا بإلقاء الخلاف بين شيعتهم وإن لم يوجد لهم موافق منهم . وبهذا اعترض على المشهور في اعتبارهم وجود قول من العامّة في الحمل على التقيّة . ومقصوده بعدم اشتراط قول منهم في الحمل عليها ليس في مقام الترجيح ، لعدم تعقّل حمل أحد الخبرين بالخصوص على التقيّة مع فرض مخالفتهما للعامّة ، وعدم ما يدلّ على ورود أحدهما بالخصوص لبيان خلاف الواقع . بل مقصوده أنّ الأئمّة عليهم السّلام ربّما كانوا يجيبون في المسائل بما هو خلاف الواقع وإن لم يكن على وفق مذهب أحد من العامّة ، لما يراه من المصلحة في ذلك ، وأنّ هذا هو منشأ اختلاف الأخبار ، لا دسّ الأخبار المكذوبة فيها ، لتنزّهها عنها في الأزمنة المتأخّرة ، لا أنّه في مقام الترجيح يحمل أحد المتعارضين على التقيّة مع مخالفتهما لمذاهبهم .