شرح
ثمّ إنّ ما ذكره من اختلاف رجحان أحد الخبرين على الآخر مشخّصا وصنفا ونوعا ممّا لا إشكال فيه . وكذا لا إشكال في ترتّبها متنازلا ، فيقدّم الراجح شخصا على الراجح نوعا أو صنفا ، وكذا الراجح صنفا على الراجح نوعا ، لكون الأوّل أقوى من الثاني ، وهو من الثالث . وحيث لم يندرج الأوّل تحت قاعدة وضابطة جعلوا الكلام في باب تعارض الأحوال في الأخيرين ، ولا بدّ مع رجحان أحد الدليلين من ارتكاب خلاف الأصل في الآخر ، بارتكاب التأويل فيه وصرفه عن ظاهره . وحصروا الأمور المخالفة للأصل في خمسة : النسخ ، والإضمار ، والتخصيص ، والتقييد ، والتجوّز . وربّما يضاف إليها أمور أخر إلّا أنها لا تخرج منها ، وما عدا الأخير وإن كان من أقسامه في وجه ، إلّا أنّهم أفردوا البحث عن كلّ واحد منه وخصّوه بالذكر ، لمزيد امتيازه من بين سائر المجازات .
ثمّ إنّه ربّما يدور الأمر بين المتجانسين منها ، بأن دار الأمر بين ارتكاب النسخ في هذا الدليل وذاك الدليل ، وهكذا . وربّما يدور الأمر بين المتخالفين منها ، بأن دار الأمر بين ارتكاب النسخ في هذا الدليل وبين ارتكاب أحد الأربعة الباقية في ذاك الدليل . وحينئذ يكون التعارض والدوران تارة وحدانيّا ، بأن دار الأمر بين ارتكاب أحدها في أحد الدليلين وواحد من الأربعة الباقية في الآخر ، وأخرى ثنائيّا ، وثالثة ثلاثيّا ، ورابعة رباعيّا ، وخامسة خماسيّا ، وسادسة مختلفا . ويعبّر الاصوليّون عن هذا التعارض والدوران بتعارض الأحوال .
وأورد المصنّف رحمه اللّه من صور الاختلاف الوحداني مسائل ، ثمّ نبّه على تعارض المتجانسين ، ويظهر الكلام في الباقي ممّا حقّق به المقام . والمشهور - كما هو الأقوى - كون احتمال النسخ أخسّ من جميع الأمور المذكورة ، والإضمار بالنسبة إلى ما عداه ، لقلّة الأوّل بالنسبة إلى الجميع ، والإضمار بالنسبة إليه . فحيث يدور الأمر بين الأوّل وأحد الأربعة الباقية ، أو بين الثاني وواحد ممّا عداه ، يقدّم ما عداهما عليهما ، لغلبته ورجحانه بالنسبة إليهما . وستقف على تتمّة الكلام فيهما وفي الباقي .