وأمّا استصحاب الحكم ، فلأنّه كان ثابتا لأمر لا يعلم بقاؤه ، وبقاؤه قائما بهذا الموجود الباقي ليس قياما بنفس ما قام به اوّلا ، حتّى يكون إثباته إبقاء ونفيه نقضا .
إذا عرفت ما ذكرنا ، فاعلم : أنّه كثيرا ما يقع الشكّ في الحكم من جهة الشكّ في أنّ موضوعه ومحلّه هو الأمر الزائل ولو بزوال قيده المأخوذ في موضوعيّته حتى يكون الحكم مرتفعا ، أو هو الأمر الباقي والزائل ليس موضوعا ولا مأخوذا فيه ، فلو فرض شكّ في الحكم كان من جهة أخرى غير الموضوع ، كما يقال : إنّ حكم النجاسة في الماء المتغيّر ، موضوعه نفس الماء ، والتغيّر علّة محدثة للحكم ، فيشكّ في علّيته للبقاء .
فلا بدّ من ميزان يميّز به القيود المأخوذة في الموضوع عن غيرها ، وهو أحد أمور : الأوّل : العقل ، فيقال : إنّ مقتضاه ( 2579 ) كون جميع القيود قيودا للموضوع مأخوذة فيه ، فيكون الحكم ثابتا لأمر واحد يجمعها ؛ وذلك لأنّ كلّ قضيّة وإن كثرت قيودها المأخوذة فيها راجعة في الحقيقة إلى موضوع واحد ومحمول واحد ، فإذا شكّ في ثبوت الحكم السابق بعد زوال بعض تلك القيود ، سواء علم كونه
شرح
فإن قلت : إنّ المتيقّن من كونه على صفة الموضوعيّة في السابق إنّما هو بعنوان الكلبيّة ، فلم يعلم بقاء الموصوف حتّى يصحّ استصحاب صفته .
قلت : إنّ الأمر في الكرّ أيضا كذلك ، لعدم العلم بكون الموجود في زمان الشكّ كرّا في السابق ، وإلّا لم يقع موردا للاستصحاب ومحلّا للشكّ ، فكما أنّ استصحاب الصفة هنا مبنيّ على المسامحة في موضوعها ، كذلك فيما نحن فيه .
ولكنّك خبير بأنّ هذه المسامحة العرفيّة - على تقدير تسليمها في مثال الكلب - لا تتمّ في جميع موارد ما نحن فيه ، كما يظهر من ملاحظة الأقسام المتقدّمة في الحاشية السابقة . مضافا إلى عموم ما أورد عليه المصنّف رحمه اللّه .
2579 . توضيحه : أنّ الاستصحاب هو إثبات عين الحكم السابق لعين الموضوع السابق ، والحكم بالعينيّة لا يتمّ عقلا إلّا بعد إحراز جميع القيود المحتمل أخذها في موضوع الحكم السابق ، فتكون جميع القيود المحتملة كذلك ، في ظاهر حكم العقل في حكم القيود المعلوم أخذها في الموضوع ، في وجوب إحرازها في