شرح
هذا كلّه في بيان قاعدة الاشتغال مع استصحابه . وأمّا قاعدة البراءة مع استصحابها ، فالحقّ اختلافهما أيضا بحسب المفهوم والمؤدّى والمورد .
أمّا الأوّل فمن وجهين : أحدهما : أنّه يكفي في حكم العقل بالبراءة مجرّد الشكّ في التكليف مع قطع النظر عن ثبوتها في السابق ، بخلاف استصحابها . وثانيهما : أنّ المراد بالقاعدة حكم العقل بعدم وجوب الإتيان بالتكليف المحتمل ، وباستصحابها إبقاء البراءة السابقة .
ومن هنا يظهر وجه اختلافهما بحسب المؤدّى أيضا ، لأنّ مؤدّى القاعدة عدم وجوب الإتيان ، ومقتضى استصحاب البراءة بقاء البراءة السابقة .
وأمّا الثالث ، فمادّة الاجتماع واضحة ، وهي جميع موارد الشبهات البدويّة .
وأمّا مادّة الافتراق من جانب قاعدة البراءة ، فهي ما أشار إليه صاحب الفصول ، فإنّه بعد أن احتجّ لاعتبار قاعدة البراءة باستصحابها قال : « هذا الدليل أخصّ من المدّعى ، إذ بين مورد الاستصحاب وبين مورد أصل البراءة عموم من وجه ، لجريان الاستصحاب في غير البراءة ، وجريان أصل البراءة حيث لا يتقدّم براءة ، كمن علم بوقوع جنابة وغسل عمّا في الذمّة منه وشكّ في المتأخّر ، فإنّ قضيّة أصل البراءة هنا عدم تحريم جواز المسجدين واللبث في المساجد وقراءة العزائم عليه ، مع أنّه لا مسرح للاستصحاب فيها » انتهى .
ووجه عدم جريان الاستصحاب في المثال : هو حصول العلم بانقطاع البراءة السابقة لأجل العلم بوقوع الجنابة ، وعدم جواز استصحاب الجنابة إنّما هو لمعارضته بمثله ، للعلم بوقوع الطهارة أيضا ، فيتمسّك بأصل البراءة ، لكون مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في التكليف ، لعدم العلم بالطهارة والحدث في الحال . وسيجيء بيان مادّة الافتراق من جانب استصحاب البراءة أيضا . وما ذكره من مادّة الافتراق من جانب الاستصحاب لا دخل له فيما نحن فيه .