شرح
وبعد استقرار بنائهم على الاحتياط بحسب الإمكان في المقام فلا جدوى لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في التكليف دون المكلّف به .
ومن هنا يظهر وجه الفرق بين ما نحن فيه ممّا كانت الشبهة وجوبيّة وبين الشبهة المحصورة ، حيث قد عرفت أنّ المشهور هنا - بل ظاهر الفقهاء - هو وجوب الاحتياط بحسب الإمكان مطلقا . وقد فصّل في الشبهة المحصورة بين ما كان تعذّر بعض أطراف الشبهة سابقا على العلم الإجمالي وبين ما كان لاحقا به ، بالقول بعدم وجوب الاحتياط في الأوّل دون الثاني . وقد تقدّم اختيار المصنّف رحمه اللّه له في التنبيه الخامس من تنبيهات الشبهة المحصورة . وقد يفرّق بينهما بكون أمر الوجوب عندهم أهمّ من الحرمة . وقد تقدّم وجه التفصيل المذكور في الشبهة المحصورة هناك ، وبتذكّر ما ذكره هناك وذكرناه هنا تقدر على استفادة ما أهملنا ذكره هنا ، فتدبّر . وستعرف زيادة توضيح لذلك في القسم الثالث .
وممّا ذكرناه يظهر الكلام في القسم الثاني أيضا . وظاهر المصنّف رحمه اللّه تحقّق بناء العقلاء على الاحتياط بحسب الإمكان هنا دون سابقه ، ولذا تمسّك بأصالة البراءة في الأوّل دون الثاني . ولعلّ السرّ فيه أنّ الرخصة في البعض غير المعيّن يفهم منها عرفا جعل الباقي بدلا من المكلّف به الواقعي ، وفي البعض المعيّن يفهم رفع اليد عن الواقع ، ومع الشكّ يرجع إلى أصالة البراءة . فالفارق إمّا هو العرف مطلقا أو بضميمة الأصل . والعمدة في أمثال المقام ثبوت بناء العقلاء على وجه يكشف عن ثبوت ما بنوا عليه في الواقع أو عن تقرير المعصوم عليه السّلام ، كما هو مناط اعتباره ، فافهم .
وأمّا القسم الثالث فيمكن القول فيه بعدم وجوب الاحتياط بالإتيان بجميع ما عدا المرخّص فيه ، بل بجواز المخالفة القطعيّة ، إلّا أن يدّعى بناء العقلاء مطلقا أو الإجماع في بعض الموارد على عدم جوازها كما تقدّم ، لأنّ رخصة الشارع في ترك بعض المقدّمات العلميّة لا يجتمع مع إرادته للواقع من المكلّف ، فهو دليل عدم مطلوبيّة