شرح
لأنّ شرط الصلاة ليس نفس الوضوء ولا الطهارة الحاصلة منه من حيث هي ، بل الشرط هو وقوع الصلاة في حال طهارة المصلّي ، وهذه الخصوصيّة متّحدة مع طبيعة الصلاة في الوجود الخارجي ، فلا تصلح لتعلّق تكليف بها مغايرا للتكليف بالطبيعة كما أسلفناه . ومجرّد وجود منشأ انتزاع لها غير مجد في المقام ، كما أوضحه المصنّف رحمه اللّه . فجريان البراءة هنا أيضا لا يتمّ إلّا بالالتزام بما قدّمناه من المسامحة العرفيّة ، لأنّ العرف هو المحكّم في باب الإطاعة والامتثال .
هذا كلّه فيما دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير العقلي . ومن طريق ما بيّنّاه يظهر أنّ الأمر فيما دار الأمر فيه بين التعيين والتخيير الشرعيّ أشكل ، لأنّ أحد طرفي العلم الإجمالي هناك لما كان هي الطبيعة أمكن أن يقال بكونها متيقّنة والخصوصيّة مشكوكة ، لتغايرهما ذهنا وإن اتّحدتا وجودا ، فينفى المشكوك فيه بالأصل ، بخلافه هنا ، لأنّ الترديد والدوران فيه بين تعلّق التكليف بفرد خاصّ وتعلّقه بأفراد مخصوصة على سبيل التخيير والبدليّة ، فجريان أصالة البراءة في الفرد الخاصّ المعيّن معارض بجريانها في الواحد المخيّر فيه ، وليس هنا جامع متيقّن يؤخذ به ، وينفى وجوب المشكوك فيه بالأصل .
وتوضيح ذلك أنّهم قد اختلفوا في الواجب التخييري على أقوال ، والمتيقّن منها قولان للمعتزلة والأشاعرة ، لأنّ المعتزلة قد ذهبوا إلى تعلّق الوجوب في الواجب التخييري بكلّ واحد من فرديه بالاستقلال ، وأنّ الفرق بين وجوب الفردين تخييرا ووجوبهما عينا هو سقوط التكليف بالإتيان بأحدهما على الأوّل دون الثاني . وذهب الأشاعرة إلى أنّ الواجب هو الكلّي المنتزع من الفردين ، أعني :
مفهوم أحدهما . ونحن قد ذكرنا في مبحث الواجب التخييري في الفرق بينه وبين العيني كونهما مختلفين بحسب إنشاء الوجوب ، وأنّ إنشاء التخيير بمنزلة العدول عن إنشاء وجوب أحد الفردين المخيّر فيهما إلى إنشاء وجوب الآخر ، فإذ أخبرنا الشارع بينهما فكأنّه قال : أوجبت عليك هذا بل ذاك ، وهو وإن لم يكن عدولا