شرح
المكلّف به . والفرق بينهما واضح ، لأنّ نفس إلزام المكلّف بشيء - سواء كان هذا الشيء في نفسه خفيفا أم ثقيلا - لما كان ضيّقا على المكلّف رفعه الشارع عند الجهل به ، وهو لا يستلزم نفي التكليف فيما كان الضيق حاصلا من جهة نفس المكلّف به . ومن هنا يظهر أنّ تمسّك بعضهم بأصالة البراءة فيما لو توقّف الوضوء أو الغسل من الجنابة مثلا على شراء الماء بأضعاف قيمته ليس في محلّه ، لأنّه من موارد قاعدة الضرر والعسر دون البراءة ، كما يظهر ممّا قدّمناه .
وكيف كان ، فالأولى في تقرير وجه النظر ما قرّره بعض مشايخنا من أنّ الطبيعة وإن كانت عين أفرادها ، وأنّ الخصوصيّة من حيث هي غير قابلة لتعلّق حكم بها ، إلّا أنّه مع دوران الأمر بين تعلّق التكليف بالطبيعة وتعلّقه بفرد خاصّ منها ، يعدّ العبد في نظر أهل العرف مكلّفا بالطبيعة يقينا وبالخصوصيّة الخاصّة شكّا ، وإن لم يكن لذلك أصل وحقيقة عند ذوي الأفهام الدقيقة ، إلّا أنّ المحكّم في أمثال المقام هو العرف ، فكان الأمر بالمقيّد عندهم أمر بمتعدّد ، أعني : الطبيعة وقيدها ، فكلّ منهما في نظرهم محلّ للتكليف ومورد له ، ولذا تراهم يزعمون في الأوامر المتعلّقة بالطبائع كون الطبيعة متّصفة بالوجوب العيني والأفراد بالوجوب التخييري العقلي ، وهذا ليس إلّا مبنيّا على ما ذكرنا من مغايرة الطبيعة للخصوصيّة في نظرهم وإن اتّحدا عند التحقيق .
فإذا فرض وجود الطبيعة مع قطع النظر عن الخصوصيّات الخارجة ولو في نظرهم ، وحصل الشكّ في تعلّق التكليف بها لا بشرط حصولها في ضمن فرد خاصّ أو بشرط حصولها كذلك ، ينحلّ العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي ، فينفى وجوب المشكوك فيه بالأصل ، التفاتا إلى ما يقتضيه نظر أهل العرف ، وإغماضا عمّا يقتضيه العقل الدقيق .
ولا بدّ من الالتزام بذلك ، إذ لولاه لم تجر أصالة البراءة في القسم الأوّل أيضا ، أعني : ما كان الشرط فيه منتزعا من أمر خارجي كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة ،