شرح
الإتيان بجميع أطراف الشبهة إنّما هو لخوف ترك الواقع عند الاقتصار ببعض أطرافها في مقام الامتثال . فحكم العقل بوجوب الاحتياط إنّما هو لأجل دفع الضرر المحتمل ، أعني : العقاب الأخروي ، ولا ريب أنّ حكم العقل بذلك ليس إلزاميّا حتّى يقال : إنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعيّ ، بل هو إرشادي من باب إراءة مصلحة المكلّف ، فهو نظير أوامر الأطبّاء لا يترتّب على موافقته ثواب ولا على مخالفته عقاب . بل جميع الأحكام العقليّة حتّى ما استقلّ به العقل - مثل قبح الظلم وحسن الإحسان - من قبيل ذلك ، لعدم إلزامه المكلّف بأمر مولوي بترك الظلم لأجل قبحه ، لأنّ غايته الإرشاد ولو إلزاما إلى أنّ في فعله ارتكابا للقبيح ، لا إلزامه بأمر مولويّ بتركه .
وحينئذ إن كان ما حكم به العقل ممّا يصحّ تعلّق خطاب شرعيّ به فهو ، وإلّا كان هذا الحكم إرشاديّا محضا . ووجوب الاحتياط من قبيل ذلك ، لكونه طريق امتثال إجمالي للواقع المعلوم إجمالا ، وما هو من قبيل كيفيّة امتثال أوامر الشرع لا يصلح تعلّق خطاب به ، لا بمعنى عدم إمكان تعلّق خطاب شرعيّ به ، بل بمعنى أنّه لو فرض ورود خطاب شرعيّ عليه كان من قبيل تقرير حكم العقل لا من باب إنشاء حكم شرعيّ ، إذ لو كان طريق امتثال الواقع محتاجا إلى بيان الشارع لاحتاج امتثال هذا الخطاب أيضا إلى بيان آخر حتّى يتسلسل أو يدور . وما كان قابلا لتعلّق خطاب كلّ من العقل والشرع به كان متّصفا بكلّ من حكمهما ، مثل الظلم والإحسان . وهذا أيضا هو المقصود من قولهم : كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع .
وممّا ذكرناه يندفع ما يمكن أن يورد علي ما ذكرناه من النقض بالضرر الدنيوي ، لأنّ المشهور حرمة السفر مع خوف الضرر فيه ، فإذا سافر يعاقب عليه في الآخرة وإن لم يصبه الضرر المتوهّم أو المظنون . ووجه الاندفاع : كون ذلك قليلا ، لورود حكم كلّ من العقل والشرع عليه . وتظهر الثمرة بينه وبين ما نحن