ويكون أحدهما دليلا رافعا لليقين السابق بخلاف الآخر ، فالعمل بالأوّل تخصّص وبالثاني تخصيص ، ومرجعه كما تقرّر في مسألة تعارض الاستصحابين إلى وجوب العمل بالعامّ تعبّدا إلى أن يحصل الدليل على التخصيص ، إلّا أن يقال ( 975 ) : إنّ القطع بحجّية المانع عين القطع بعدم حجّية الممنوع ؛ لأنّ معنى حجّية كلّ شيء وجوب الأخذ بمؤدّاه ، لكنّ القطع بحجّية الممنوع - التي هي نقيض مؤدّى المانع - مستلزم للقطع بعدم حجّية المانع ، فدخول المانع لا يستلزم خروج الممنوع وإنّما هو عين خروجه ؛ فلا ترجّح ولا تخصّص ، بخلاف دخول الممنوع ؛ فإنّه يستلزم خروج المانع ، فيصير ترجيحا من غير مرجّح ، فافهم .
والأولى أن يقال : إنّ الظنّ بعدم حجّية الأمارة الممنوعة لا يجوز - كما عرفت سابقا ( 976 ) في الوجه السادس - أن يكون من باب الطريقيّة ، بل لا بدّ أن يكون من جهة اشتمال الظنّ الممنوع على مفسدة غالبة على مصلحة إدراك الواقع ، وحينئذ فإذا ظنّ بعدم اعتبار ظنّ فقد ظنّ بإدراك الواقع ، لكنّ مع الظنّ بترتّب مفسدة غالبة ، فيدور الأمر بين المصلحة المظنونة والمفسدة المظنونة ، فلا بدّ من الرجوع إلى الأقوى .
شرح
975 . يرد عليه : أنّ معنى حجّية المانع هو وجوب الأخذ بمؤدّاه ، وهو ليس عين عدم حجّية الممنوع ، بل عدم حجّية نفس مؤدّى الظنّ المانع لا عين حجّيته . مع أنّ ترجيح دخول الظنّ المانع تحت دليل الانسداد ، بدعوى العينيّة من جانب والاستلزام من جانب آخر ، مرجعه إلى ترجيح التخصّص على التخصيص الذي اعترف بفساده في المقام ، إذ لولاه لم يكن وجه لإدراج الظنّ المانع تحت نتيجة دليل الانسداد دون الممنوع ، وإن كانت حجّية الأوّل عين عدم حجّية الثاني ، وحجّية الثاني مستلزما لعدم حجّية الأوّل ، لعدم كون مجرّد ذلك سببا للترجيح عند العقل .
976 . لا يذهب عليك أنّ الظنّ بعدم حجّية أمارة كما يمكن أن يكون لأجل اشتمالها على مفسدة ، كذلك يمكن أن يكون من باب الطريقيّة ، بأن نهى الشارع عنها لأجل غلبة مخالفتها للواقع عنده ، على نحو ما تقدّم في الوجه السابع من وجوه استثناء القياس .