والحاصل : أنّه فرق بين أن يكون مرجع نصب هذه الطرق إلى قول الشارع :
« لا أريد من الواقع إلّا ما ساعد عليه ذلك الطريق » ، فينحصر التكليف الفعلي حينئذ في مؤدّيات الطرق ، ولازمه إهمال ما لم يؤدّ إليه الطريق من الواقع ، سواء انفتح باب العلم بالطريق أم انسدّ وبين أن يكون التكليف الفعلي بالواقع باقيا على حاله ، إلّا أنّ الشارع حكم بوجوب البناء على كون مؤدّى الطريق هو ذلك الواقع ، فمؤدّى هذه الطرق واقع جعلي ، فإذا انسدّ طريق العلم إليه ودار الأمر بين الظنّ بالواقع الحقيقي وبين الظنّ بما جعله الشارع واقعا فلا ترجيح ؛ إذ الترجيح مبنيّ على إغماض الشارع عن الواقع ( 845 ) .
شرح
ذلك لأنّ الشارع إمّا أن يلاحظ مصلحة في سلوك طريق مخصوص فائقة على مصلحة الواقع ، بحيث يغمض الشارع عن مصلحة الواقع ، ويجعل مناط التكليف ما أدّى النظر في الأمارة إليه .
وإمّا أن يلاحظ فيه مصلحة متداركة لمصلحة الواقع على تقدير تخلف الطريق عنه ، مع بقاء مصلحة الواقع على حالها . وإمّا أن لا يلاحظ فيه سوى مصلحة الطريقيّة والوصول إلى الواقع غالبا . والأوّل مستلزم للتصويب . والظاهر إجماعهم على بطلان هذا النحو من التصويب . والأخيران غير مستلزمين للمطلوب من عدم إجزاء التوصّل إلى الواقع بغير الطرق المجعولة ، وإن فرضت مطابقة العمل للواقع أيضا ، كما هو واضح . مضافا إلى أنّ مقتضى القول باعتبار الطرق على وجه الموضوعيّة على الوجه المذكور هو القول بالإجزاء على تقدير انكشاف تخلف الطريق عن الطريق الواقع ، والمستدلّ لا يقول بالإجزاء في الأوامر الظاهريّة ، والتنافي بينهما واضح . وما أبعد ما بينه وبين ما ذهب إليه المحقّق القمّي رحمه اللّه ، لأنّه مع قوله باعتبار الطرق من باب الظنون المطلقة قال بالإجزاء فيها ، فقولهما في طرفي الإفراط والتفريط .
845 . بأن كانت مطلوبيّة الأحكام الواقعيّة مقيّدة بالوصول إليها بالطرق المجعولة ، كما عرفته في الحاشية السابقة .