في الوقائع الشخصيّة ، فتأمّل .
هذا ، مع إمكان أن يقال : إنّ مسألة عمل القاضي بالظنّ في الطريق مغايرة لمسألتنا من جهة أنّ الشارع لم يلاحظ الواقع في نصب الطرق وأعرض عنه ، وجعل مدار قطع الخصومة على الطرق التعبّدية ، مثل الإقرار والبيّنة واليمين والنكول والقرعة وشبهها ، بخلاف الطرق المنصوبة للمجتهد على الأحكام الواقعيّة ؛ فإنّ الظاهر أنّ مبناها على الكشف الغالبي عن الواقع ، ووجه تخصيصها من بين سائر الأمارات كونها أغلب مطابقة للواقع وكون غيرها غير غالب المطابقة بل غالب المخالفة ( 835 ) كما ينبئ عنه ما ورد في نتيجة العمل بالعقول في دين اللّه ، وأنّه ليس شيء أبعد عن دين اللّه من عقول الرجال ، وأنّ ما يفسده أكثر ممّا يصلحه ، وأنّ الدين يمحق بالقياس ونحو ذلك .
ولا ريب : أنّ المقصود من نصب الطريق إذا كان غلبة الوصول إلى الواقع
شرح
835 . لا يخفى أنّه لو تمّ ذلك لا يستقلّ العقل بجواز العمل بالظنّ الحاصل من الأمارات التي لم يثبت اعتبارها ، لفرض حصول العلم إجمالا بكون بعض الأمارات - أعني : ما لم ينصبه الشارع في الواقع - غالب المخالفة للواقع ، وهو مناف لما ذكره من كون الأمارات التي يستعملها المجتهد أمارات مضبوطة غالبة المطابقة للواقع ، ولما أسلفه سابقا - كما تقدّم في الحاشية السابقة - من امتناع حصول العلم الإجمالي بمخالفة بعض الظنون التفصيليّة للواقع .
فالأولى أن يقال : إنّ الظاهر أنّ نصب الطرق المخصوصة إنّما هو لأجل غلبة إيصالها إلى الواقع ، أو وجود مصلحة في سلوكها يتدارك بها مفسدة مخالفة الواقع على تقدير مخالفتها له . والنهي عن القياس إمّا لأجل غلبة مخالفته للواقع ، أو لأجل وجود مفسدة في سلوكه أقوى من مصلحة إدراك الواقع ، أو لأجل أخذه مرجعا في الأحكام الشرعيّة في قبال الأئمّة عليهم السّلام ، والاستغناء به عنهم ، كما كانت عادة العامّة جارية بذلك أو غير ذلك ، لا جعل نصب طرق مخصوصة ، والنهي عن القياس دليلا على كون سائر الأمارات غالب المخالفة للواقع .