شرح
أمّا ما يروونه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كلّ حال . وكذلك الحال فيما يرويه المتّهمون والمضعّفون إن كان هنا ما يعضد روايتهم ويدلّ على صحّتها ، وجب العمل به . وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحّة وجب الوقوف في روايتهم . ولأجل ذلك توقّف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صفتها ، ولم يرووها ، واستثنوها في فهارستهم من جملة ما يروونه من التصنيفات .
فأمّا من كان مخطئا في بعض الأفعال أو فاسقا بأفعال الجوارح ، وكان ثقة في روايته متحرّزا فيها ، فإنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره ، ويجوز العمل به ، لأنّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه ، وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته ، وليس بمانع من قبول خبره . ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم » انتهى كلامه رفع مقامه .
وأنت إذا تأمّلت فيه تستفيد منه أمورا : أحدها : دعوى الإجماع على حجّية أخبار الآحاد في مواضع . وثانيها : التصريح بكون معقد إجماعه الأخبار العارية عن القرائن القطعيّة . وثالثها : كون مراده بالعدالة المعتبرة في الرواية هو التحرّز عن الكذب ، وإن كان فاسقا بأفعال جوارحه .
ثمّ إنّه قال في موضع آخر بعد ما نقلناه عنه : « إذا كان أحد الراويين مسندا والآخر مرسلا ، نظر في حال المرسل ، فإن كان ممّن يعلم أنّه لا يروي إلّا عن ثقة موثوق به ، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره . ولأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمّد بن أبي بصير ، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عمّن يوثق به ، وبين ما يسنده غيرهم ، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردت عن رواية غيرهم » . ثمّ قال :
« إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الوجه الذي ذكرناه . ودليلنا على ذلك الأدلّة التي قدّمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد ، فإنّ الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل ، فما يطعن في واحد منهما يطعن في الآخر ، وما أجاز أحدهما أجاز الآخر ، فلا فرق بينهما على حال » انتهى .