شرح
فحكم العقل بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة لأجل احتمال الضرر الأخروي إرشادي لا يترتّب على موافقته ومخالفته سوى ما يترتّب على نفس الواقع ، بخلاف حكمه في الضرر الدنيوي المظنون .
وهذا الذي ذكرناه في الفرق بين الضّرر الأخروي المحتمل والضرر الدنيوي المظنون هو الذي صرّح به المصنّف قدّس سرّه في التنبيه الثاني من تنبيهات الشبهة المحصورة .
فالتدافع بين المقامين واضح بيّن ، فراجع ولاحظ . وفي بعض النسخ قد وقع الأمر بالتأمل بعد قوله « عدم الضرر فيه » . ولعلّه إشارة إلى ما قدّمناه من كون الظنّ في باب الضرر الدنيوي مأخوذا من باب الطريقيّة إلى الواقع وجزءا من موضوع الحكم الظاهري ، فحينئذ يندفع التنافي بين المقامين .
ثمّ إنّ ظاهر المحقّق حيث حكم ببطلان الغسل فيما لو ظنّ إضرار استعمال الماء بالبدن ثمّ انكشف خلاف ما ظنّه - كما أسلفناه - هو كون الحكم المرتّب على الظنّ حكما واقعيّا لا ظاهريّا ، وإلّا لكان الأوفق بالقواعد هو الحكم بصحّة الغسل في الصورة المفروضة ، لموافقته للأمر الواقعي ، ومجرّد مخالفة الأمر الظاهري لا يوجب البطلان مع الموافقة للواقع .
لا يقال : إنّ الحكم بالبطلان لعلّه لعدم تأتّي قصد القربة مع مخالفة الأمر الظاهري .
لأنّا نقول : إنّ الكلام في المقام من حيث الحكم بالصحّة أو الفساد ليس من هذه الحيثيّة ، بل من حيث مخالفة الحكم المرتّب على ظنّه مع انكشاف خلافه بعد الفراغ من العمل مع قطع النظر عن الحيثيّة المذكورة . ويمكن أن يستدلّ عليه بأنّ المستفاد من قوله تعالى :وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِهو مبغوضيّة جعل النفس في معرض الهلاكة ، سواء كانت في الواقع مهلكة أيضا أم لا ، لصدق النهي مع الإقدام مع ظنّ الضرر وإن لم يكن ضرر في الواقع . فموضوع الحرمة هو جعل النفس في عرضة الهلاكة لا الهلاكة الواقعيّة . ويؤيّده أنّ القبيح في حكم العقل أيضا هو العنوان المذكور ، لا الوقوع في الهلاكة الواقعيّة بالخصوص . وعلى هذا فالضرر الواقعي ليس بموضوع الحرمة أصلا ، بل الحرمة مرتّبة في الواقع على العنوان المذكور الصادق بظنّ الضرر وإن لم يكن ضرر في الواقع ، فحينئذ لا ترتبط مسألة ظنّ الضرر بما نحن فيه أصلا كما لا يخفى .