نعم ، لا بدّ أن يتعلق بشيء لو كان مصادفا للواقع لكان مرادا للشارع فعلا ، ولم يلغه ، كما هو الحال في الشبهات قبل الفحص ، وكل واحد من أطراف العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة . وأما إحراز هذا المطلب ، فهو يحصل من تضاعيف أبواب الفقه وكيفية اهتمام الشارع بالأعراض والأنفس ، بل قيل في الأموال الكثيرة أيضا .
وهذا معنى إحراز إيجاب الاحتياط من الشارع المقدّم على الأصول العدمية ، فهل ترى أحدا من الأصحاب يلتزم بجريان أصل البراءة وأصالة الإباحة فيما إذا دار أمر شخص بين أن يكون مهدور الدم أو محقون الدم ، ولم تكن أمارة على تعين أحدهما ، ولم يكن مردّدا بين الوجوب والحرمة ويحكم بجواز قتله اعتمادا على الأصل . حاشا ثم حاشا ، وذلك ليس إلا من جهة استكشاف إيجاب الاحتياط من شدة اهتمام الشارع في هذا الباب ، مع أنه لا حاجة إلى استكشاف إيجاب الاحتياط الشرعي ، حتى يمكن أن يدفع ، بل يكفي نفس الاحتمال لوجود التكليف بنحو لو كان أراد الشارع حفظه في مرحلة الشك ، لما قلنا :
بأن نفس مثل هذا الاحتمال بيان رافع لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، ومخصّص لأدلة الأصول ، كما هو الحال في الاحتمال قبل الفحص في الشبهات الحكمية .
وبالجملة ، قد عرفت في بعض أبحاثنا السابقة أن احتمال وجود التكليف على أنحاء ثلاثة :
فتارة : يشك في التكليف ووجود الغرض ، لكن لا يعلم هل أنه بنحو يكون المولى يريده منه حتما حتى في مرحلة الشك ؟ وهو مجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان .
وأخرى : يشك في التكليف ، لكن يقطع بأنه لا يريده منه في مرحلة الشك ، وهو مجرى مثل أصالة الإباحة .
وثالثة : يشك في التكليف ، لكن يقطع بأنه على تقدير مصادفته للواقع أراده منه في هذه المرحلة ، كما في المقام ، وأطراف الشبهة المحصورة ، وفي الشبهات الحكمية قبل
عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل — صفحة 196
مساهمون: السيد عبد الله الشيرازى
ص١٩٦