لكنّها لا تنفع في المطلب ، لأن نفس المعرفة باللّه غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه ، فلا يحتاج دخولها في الآية إلى إرادة الإعلام من الإيتاء في الآية . وسيجيء زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء اللّه تعالى .
وممّا ذكرنا يظهر حال التمسّك بقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 1 » .
ومنها : قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 2 » .
شرح
المذكورتين ، فيعلم من استشهاده بالآيتين على نفي التكليف بالمعرفة من دون البيان أنّ المراد بالموصول هو التكليف ، فيكون معنى الآية - حينئذ - لا يكلّف اللّه نفسا إلّا تكليفا بيّنه لها ، سواء كان التكليف متعلّقا بالأمور الاعتقادية كمعرفة اللّه تعالى كما في مورد الرواية أو بالأفعال كما في المقام .
ثمّ أجاب المصنّف قدّس سرّه عن هذا التأييد بقوله : ( لكنّها لا تنفع في المطلب ) .
أي : ما ورد في الرواية لا ينفع في إثبات المطلب ، وهو نفي التكليف من دون البيان ، بل ما ورد فيها يناسب المعنى الثالث للموصول ، وهو نفي التكليف بغير المقدور ، لأنّ نفس المعرفة باللّه تعالى غير مقدور قبل البيان وقبل تعريف اللّه تعالى ، فلا يكون استشهاد الإمام عليه السّلام بالآية دليلا على نفي التكليف من دون بيان ، بل يكون دليلا على نفي التكليف بغير المقدور ، ويكون المراد من الإيتاء الإقدار .
( وممّا ذكر يظهر حال التمسّك بقوله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) .
إذ هذه الآية نصّ في نفي التكليف بغير المقدور ، فلا ترتبط بالمقام أصلا ، لأنّ ترك محتمل الحرمة مقدور ، فلا يكون مشمولا للآية .
( ومنها قوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .
وملخص تقريب الاستدلال بهذه الآية على البراءة هو أنه تعالى قد أخبر بعدم التعذيب والعقاب قبل بعث الرسل وإتمام الحجّة ، فبعث الرسل كناية عن بيان الأحكام وإيصالها إلى المكلّفين ، فيكون معنى الآية : أنّه تعالى لا يؤاخذهم على مخالفة التكليف المجهول غير الواصل إليهم ، فتدلّ على رفع العقاب في مورد الجهل بالتكليف الإلزامي وهو المطلوب
پاورقی
( 1 ) البقرة : 286 .
( 2 ) الإسراء : 15 .