وكيف كان ، فمن المعلوم أنّ ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور ، وإلّا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين وإن نازعت الأشاعرة في إمكانه .
نعم ، لو أريد من الموصول نفس الحكم والتكليف كان إيتاؤه عبارة عن الإعلام به ، لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية ، وإرادة الأعمّ منه ومن المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين .
شرح
الجامع بين الإيصال والإعطاء والإقدار ، وبعبارة أخرى : أن يكون المراد بالإيتاء هو الإعطاء ، ولكن الإعطاء يختلف ، لأنّ إعطاء كلّ شيء بحسبه ، فإعطاء التكليف يكون بالإيصال والإعلام ، وإعطاء المال بالتمليك ، وإعطاء ما يصدر عن المكلّف بالإقدار ، وبهذا تشمل الآية المقام أيضا ، وتدل على البراءة على فرض إمكان وجود الجامع بين المعاني المذكورة .
إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك أن الآية يمكن الاستدلال بها على البراءة على فرض صحة الاحتمال الأول والرابع دون الاحتمال الثاني والثالث كما لا يخفى .
ثمّ إن الظاهر منها بقرينة المورد هو الاحتمال الثاني ، ثمّ الثالث ، ولا يمكن حملها على الاحتمال الأول والرابع ، لأنّ الاحتمال الأول مناف لموردها ، كما أشار إليه بقوله :
( لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية ) .
أي : إرادة التكليف بالخصوص من الموصول يكون منافيا لمورد الآية ، لأنّه مختصّ بالمال ، والاحتمال الرابع مستلزم لاستعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى ، وهو وقد أشار إليه بقوله : ( وإرادة الأعمّ منه ومن المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين ) .
إذ لا جامع بين المال والتكليف ، وذلك لأنّ الموصول إذا كان بمعنى التكليف كان مفعولا مطلقا للفعل ، أي : لا يكلّف اللّه نفسا إلّا تكليفا ، وإذا كان بمعنى المال كان مفعولا به ، ومن الواضح عدم الجامع بينهما لأنّ المفعول المطلق يكون من شؤون الفعل ، فيكون متأخرا عنه ، والمفعول به يكون ممّا وقع عليه الفعل ، فلا بدّ أن يكون متقدما عليه ، فلا يعقل الجامع بين المعنيين .
وكيف كان ، فإنّ الاستدلال بالآية على البراءة يكون مبنيّا على الاحتمال الأول والرابع اللذين لا يمكن حمل الآية عليهما .