قوله قدّس سرّه : فلا يمكن التّبعض في صدور العامين من وجه من حيث مادّتي الافتراق ومادة الاجتماع « 1 » .
أقول : هذا إذا كان معنى الترجيح الأخذ بالرّاجح وطرح المرجوح ، أي البناء على عدم صدوره ، أو صدوره تقيّة ونحوها ، وليس الأمر كذلك ، بل معناه رفع اليد عن أحد الخبرين الذين كلّ منهما في حدّ ذاته حجّة ، بواسطة بعض الاحتمالات المتطرقة فيه ، ممّا لم يكن يعتنى به لولا ابتلائه بالعارض ، فالعامان من وجه اللّذان أحدهما موافق للعامة كما في مثل « اغسل ثوبك من بول كلّ ما لا يؤكل لحمه » ، وقوله « الذي يطير فلا بأس بخرئه وبوله » ، فقد يحصل الظنّ ، بل الوثوق بكون كلّ منهما صادرا لبيان الحكم الواقعي ، وعدم كونه مورد الاجتماع مرادا من أحدهما ، فلا مقتضى حينئذ لطرح شيء منهما رأسا ، بل يجب الأخذ بكلّ منهما بمقتضى عموم ما دلّ على وجوب التعبّد بالخبر الموثوق به ، وحيث علم بمخالفة ظاهر أحدهما للواقع ، وجب بشهادة العرف بعد فرض اعتبار الأخبار من باب الطريقية ، وكون الأخذ بالترجيح للتجري إلى إصابة الواقع ، كما لا يبعد دعوى استفادته من الاخبار العلاجية ببعض التقريبات التي ذكرها المصنّف رحمه اللّه ، وجها للتخطي عن المرجّحات المنصوصة ، الرجوع إلى الامارات المورثة لأقوائية احتمال مطابقة أحدهما للواقع ، فإذا لم يكن احتمال تخصيص كلّ منهما بالآخر أقوى من عكسه ، بأن لم يكن لأحدهما مزية على الآخر من حيث الدلالة ، ولم يتطرّق في أحدهما احتمال ينافي صحّته أو صدوره من سهو الراوي أو نسيانه أو تعمّده الكذب مثلا ، إلّا ويتطرّق مثله في الآخر ، عدا أنّه يحتمل في أحدهما وهو قوله « الذي يطير فلا بأس بخرئه وبوله » التقيّة لأجل موافقته للعامة ، بكون هذا الاحتمال مرجّحا للخبر المخالف ، فانّه
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول : ص 454 سطر 8 ، 4 / 88 .