يحكم العقل بالتخيير ، سواء قلنا بكون حجيّة الخبرين من باب الموضوعيّة أو الطريقيّة على التحقيق في محلّه ، وإن ضايقت عن التخيير العقلي على الطريقيّة كما عند المصنّف فبالتخيير الشرعي ، وهذا بخلاف ما نحن فيه إذ لا دليل على وجوب الالتزام بهذا النحو بالنسبة إلى كلّ حكم بالخصوص ، ولو كان دليل على وجوب الالتزام بهذا النحو قد عرفت أيضا أنه لا ينتج سوى التخيير على وجه الاحتياط .
وكذا ظهر بطلان المقايسة بتخيير المقلّد بالرجوع إلى أحد المجتهدين المختلفين في الفتوى ، والوجه ظاهر ممّا مرّ .
فتحصّل ممّا ذكرنا أنّه لا مانع من الرجوع إلى أصالة الإباحة والبراءة وعدم الالتزام بشيء .
ويظهر من المصنّف عدم جواز الرجوع إلى الأصل بوجهين :
أحدهما : قصور أدلّة الأصل لشمولها لما نحن فيه ، فإنّه في رسالة أصل البراءة في حكم دوران الأمر بين الوجوب والحرمة من جهة عدم الدليل على تعيين أحدهما بعد قيام الدليل على أحدهما قال : « فقد يقال في محلّ الكلام بالإباحة ظاهرا لعموم أدلّة الإباحة الظاهريّة مثل قولهم : « كلّ شيء لك حلال » ، وقولهم : « ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » « 1 » ، فإنّ كلّا من الوجوب والحرمة قد حجب عن العباد علمه ، وغير ذلك من أدلته ، حتى قوله ( عليه السلام ) : « كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي أو أمر » « 2 » على رواية الشيخ ، إذ الظاهر ورود أحدهما تفصيلا فيصدق هنا أنّه لم يرد أمر ولا نهي . هذا كلّه مضافا إلى حكم العقل بقبح المؤاخذة على كلّ من الفعل والترك ، فإنّ الجهل بأصل الوجوب علّة تامّة عقلا لقبح العقاب على الترك من غير مدخليّة لانتفاء احتمال الحرمة فيه ، وكذا الجهل بأصل الحرمة - إلى أن قال - ولكنّ الإنصاف أنّ أدلّة الإباحة في محتمل الحرمة ينصرف إلى محتمل الحرمة وغير
هامش
( 1 ) - التوحيد : 413 .
( 2 ) - الفقيه : 1 / 317 والرسائل : 395 .