ألا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السم في أحد إناءين أو واحد من ألفي إناء ؟ وكذلك بين قذف أحد الشخصين لا بعينه وبين قذف واحد من أهل البلد ؟ فإن الشخصين كليهما يتأثران بالأول ولا يتأثر
شرح
الاحتياط مستلزم لنحو من المشقة والمشاكل التي هي محذور يزاحم به الضرر المعلوم بالإجمال ، ولا مجال لذلك في ضرر العقاب ، لأهميته الموجبة لتحمل أعظم المشاكل في سبيل الخلاص منه .
مع أنه لو فرض تجويز العقل الإقدام عليه فهو لا يقتضي الأمان منه ، ولا يكون عذرا رافعا لأثر البيان ومصححا لجريان البراءة مع فرض العلم الإجمالي ، إذ العقل إنما يجوز فرضا الإقدام على الضرر ، ولا يحكم بعدم الضرر ، كما هو الحال في الأضرار التكوينية التي أشار إليها المصنف قدس سرّه فلا يصلح ذلك المنع من العقاب حتى تجري البراءة . ولذا قلنا إن دفع الضرر مما يسعى له من يريد الأمان لنفسه ولو لم نقل بالتحسين والتنقيح العقليين ، كما سبق في الدليل العقلي الأول لحجية مطلق الظن .
الثاني : أن كثرة الأطراف تمنع من منجزية العلم الإجمالي ابتداء ، ومع عدم تنجز التكليف الواقعي بقبح العقاب عليه ، لعدم البيان ، الذي لا يراد به إلا المنجز ، فلا موضوع معه لقاعدة وجوب دفع الضرر ، لعدم الضرر ، لا لضعف احتماله ، وحينئذ لا مجال لشيء من الإشكالات السابقة .
وفيه : أن حجية العلم الإجمالي كسائر أفراد العلم ذاتية وجدانية ، من دون فرق بين كثرة الأطراف وقلتها ، وإنكارها إنكار للوجدان يتعذر معه إقامة البرهان .
ثم إن مقتضى ذكر المصنف قدس سرّه للمقدمة العلمية ولقاعدة دفع الضرر المحتمل ولضعف الاحتمال وتنظيره بمثال السم المشتبه بين أطراف كثيرة إرادة الوجه الأول ، ومقتضى بعض التفريعات التي ذكرها - مثل ما يأتي في التنبيه الأول - إرادة الوجه الثاني . فتأمل جيدا .