وأما الإفتاء بوجوب الاحتياط فلا إشكال في أنه غير مطابق للاحتياط 1 ، لاحتمال حرمته ، فإن ثبت وجوب الإفتاء فالأمر يدور بين الوجوب والتحريم 2 ، وإلا 3 فالاحتياط في ترك الفتوى 4 ، وحينئذ :
فيحكم الجاهل بما يحكم به عقله ، فإن التفت إلى قبح العقاب من غير بيان لم يكن عليه بأس في ارتكاب المشتبه ، وإن لم يلتفت إليه واحتمل العقاب كان مجبولا على الالتزام بتركه 5 ، كمن احتمل أن فيما يريد سلوكه من الطريق سبعا .
وعلى كل تقدير : فلا ينفع قول الأخباريين له : إن العقل يحكم بوجوب الاحتياط من باب وجوب دفع الضرر المحتمل 6 ، ولا قول
شرح
( 1 ) بل هو حرام بنظر الأصولي ، لعدم الدليل عليه .
( 2 ) يمتنع ثبوت وجوب الإفتاء بعد فرض عدم العلم بالحكم - وهو وجوب الاحتياط وعدمه - وحرمة الفتوى من غير علم . ومع فرض العلم الحكم تجوز بل قد يجب الفتوى على طبقه ولا يدور الأمر بين الوجوب والتحريم . نعم لو فرض وجوب الفتوى بالحكم الواقعي مطلقا وحرمة الفتوى بغيره كذلك دار الأمر بين الوجوب والتحريم . لكن لا مجال لتوهم ذلك .
( 3 ) يعني : وإن لم يثبت وجوب الإفتاء .
( 4 ) بل عرفت حرمتها مع عدم وضوح الأدلة وأما مع وضوحها فيجوز لكل عالم الفتوى بما علم ، كما يجوز ترك الفتوى تورعا إذا لم يعرض ما يقتضي وجوبها .
( 5 ) من باب وجوب دفع الضرر المحتمل الذي تقدم أنه فطري .
( 6 ) كأنه لأن حكم العقل وجداني لا يقبل الشك والتقليد . لكن لا يخفى انه لم يتقدم من الأخباريين الاستدلال بوجوب دفع الضرر المحتمل ، كيف وقد سبق من المصنف قدس سرّه دعوى اتفاق الأخباريين والأصوليين على أن مقتضى حكم العقل