هذا إذا لم يتعين عليه الإفتاء والمرافعة لأجل قلة المجتهدين ، وأما في مثل زماننا فالأمر واضح 1 .
فلا تغتر حينئذ بمن قصر استعداده أو همته عن تحصيل مقدمات استنباط المطالب 2 الاعتقادية الأصولية والعملية 3 عن الأدلة العقلية والنقلية ، فيتركها بغضا لها ، لأن الناس أعداء ما جهلوا ، ويشتغل بمعرفة صفات الرب جل ذكره وأوصاف حججه صلوات اللّه عليهم ، ينظر في الأخبار لا يعرف من ألفاظها الفاعل من المفعول ، فضلا عن معرفة الخاص من العام ، وينظر في المطالب العقلية لا يعرف البديهيات منها ، ويشتغل في خلال ذلك بالتشنيع على حملة الشريعة العملية والاستهزاء بهم بقصور الفهم وسوء النية ، فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون .
هذا كله حال وجوب المعرفة مستقلا ، وأما اعتبار ذلك في الإسلام أو الإيمان فلا دليل عليه ، بل يدل على خلافه الأخبار الكثيرة المفسرة لمعنى الإسلام والإيمان .
شرح
( 1 ) قال بعض أعاظم المحشّين قدّس سرّه : « إلا أن كلّ من يقدر على تحصيل المعارف ليس ممن يقوم به الكفاية يقينا » . مع أنه لو فرض وجوب المعرفة بالنحو المذكور فلا وجه لتقديم الاجتهاد الواجب عليها مع التزاحم لعدم العلم بأهميته بل لا يبعد أهمية المعرفة كما قد يشهد به قوله تعالى :« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »بناء على الاستدلال به كما سبق . فلاحظ
( 2 ) كعلوم اللغة والمنطق ونحوهما مما يتوقف عليه النظر في الأدلة السمعية والعقلية .
( 3 ) متعلق بقوله : « استنباط . . . » .