نعم ، الإنصاف : أن ما ذكر من الأخبار في منع العمل بالقياس موهن قوي يوجب غالبا ارتفاع الظن الحاصل منه في بادئ النظر ، أما منعه عن ذلك دائما فلا ، كيف ؟ وقد يحصل من القياس القطع ، وهو المسمى عندهم بتنقيح المناط القطعي 1 . وأيضا : فالأولوية الاعتبارية من أقسام القياس ، ومن المعلوم إفادتها للظن ، ولا ريب أن منشأ الظن فيها هو استنباط المناط ظنا ، وأما آكديته في الفرع فلا مدخل له في حصول الظن 2 .
شرح
موارد القياس في الجملة ، إلا أنه لا بد من الالتزام بأنه ليس مسببا عن القياس ، بل لخصوصية في المورد وإن كانت مغفولا عنها ، إذ لو كان القياس موجبا للظن لا وجه دائما لما ذكرنا من عدم تخلف المسبب عنه سببه ، إلا أن الخصوصيات المذكورة لما كانت قد يغفل عنها ولا يلتفت إلا إلى القياس يتوهم كونه هو السبب في حصول الظن .
اللهم إلا أن يقال : الوجه المذكور إنما يقتضي عدم صلوح غلبة الجمع بين المؤتلفات لحصول الظن . وذلك لا ينافي حصول الظن من القياس في بعض الموارد بسبب الظن بملاك الحكم المستند إلى علل أخر غير الغلبة المذكورة . وما تضمن أن دين اللّه لا يصاب بالعقول إنما ورد مورد السلب الجزئي في قبال الإيجاب الكلي الذي يدعيه العاملون بالقياس ، حيث يدعون تيسر الوصول للأحكام من طريق القياس والنظر ، فهو وارد لبيان كثرة الخطأ لا امتناع الوصول ودوام الخطأ ، فلا ينافي حصول الظن بملاك الأحكام في بعض الموارد المقتضي للظن بجريانها في مورد الملاكات المظنونة . فلاحظ .
( 1 ) الذي يبتني على القطع بملاك الحكم ، ولا مانع من حصوله بناء على ما عرفت .
( 2 ) إذ يكفي في تحقق الحكم في مورد حصول ملاكه ، بلا حاجة إلى تأكده .