بل حكى هذا القول عن جمهور الاصوليّين ، معلّلين ذلك [ 1 ] بأنّ الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان ، ولا يستغنى عنه بحكم العقل ، مع أنّ الذي عثرنا عليه [ 2 ] في الكتب الاصوليّة الاستدلاليّة الفرعيّة
شرح
الذي هو مقتضى الأصل ، والخبر المخالف له ناقلا لنقله الحكم عن مقتضى الأصل ، فالخبر الدالّ على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ناقل ؛ لأنّه خلاف مقتضى الأصل ؛ إذ مقتضاه عدم الوجوب ، والخبر الدالّ على عدم وجوبه مقرّر لتأييده ما هو مقتضى الأصل من عدم الوجوب .
إذا عرفت ذلك فنقول : وقع الخلاف بين الأعلام في تقديم الخبر الناقل على المقرّر . ذهب المشهور إلى تقديم الناقل ، وذهب الشيخ إلى تقديم المقرّر .
[ 1 ] أي ذكروا العلّة لتقديم الخبر الناقل على المقرّر أنّ غالب خطابات الشارع لأجل بيان الحكم الذي لا بدّ من بيانه من قبله ، ولا يستغنى عن البيان بحكم العقل ، وأمّا الحكم الذي يدركه العقل فلا حاجة إلى بيان الشارع ، فالحكم الموافق لأصالة البراءة لا حاجة إلى بيانه بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، والذي يحتاج إلى البيان هو الحكم المخالف لها ، كالوجوب ، فإذا كان غالب خطابات الشارع لبيان الحكم المخالف للأصل ؛ لأنّه يحتاج إلى البيان ، فيحمل الخطابات عليه بقانون أنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب .
[ 2 ] أي اطّلعنا عليه ، وهذا إشكال على القائلين بتقديم الخبر الناقل على المقرّر ، حاصله : أنّهم قدّموا الناقل على المقرّر في الأصول مع أنّ الذي اطّلعنا عليه في كتبهم الاستدلاليّة الفرعيّة أنّهم جعلوا الأصل مرجّحا للخبر ومعضدا له ، ومعنى كون الخبر معتضدا بالأصل تقديم الخبر المقرّر على الناقل ، فما ذكروه في الأصول مخالف لما ذكروه في الفروع .