وإن لم يستقلّ [ 1 ] بالمقدّمة الثالثة توقّف عن التخيير ، فيكون العمل بالراجح [ 2 ] معلوم الجواز ، والعمل بالمرجوح مشكوكا .
فإن قلت [ 3 ] : أوّلا : أنّ كون الشيء مرجّحا - مثل كون الشيء دليلا - يحتاج إلى دليل ؛ لأنّ التعبّد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان
شرح
[ 1 ] أي إن لم يستقلّ العقل بالحكم بعدم وجود مرجّح لأحد المتعارضين لا يحكم بالتخيير .
[ 2 ] أي يكون العمل بالخبر الذي يكون ذا مزيّة متيقّنة أو محتملة يقينيّا ، والعمل بالخبر الفاقد لها مشكوكا ، فيؤخذ بما هو معلوم الرجحان أو محتمل الرجحان ، فيطرح المرجوح ؛ وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتخيير ، وقد عرفت أنّ العقل يحكم في دوران الأمر بين التعيين والتخيير بالتعيين ؛ إذ العمل بالراجح أو بما يحتمل رجحانه مبرئ للذمّة يقينا ، وأمّا العمل بالمرجوح فيشكّ في كونه مبرءا للذمّة ، فالعقل يحكم بالعمل بما يبرئ ذمّته .
[ 3 ] قد ذكر قدّس سرّه إيرادين على الأصل الذي أسّسه ، والأصل المؤسّس هو أنّ مقتضى الأصل الثانوي وجوب الأخذ بما يحتمل ترجيحه على الآخر . وملخّص الإيراد الأوّل هو أنّه لم يقم دليل على تقديم ما يحتمل رجحانه ؛ لأنّ كون الشيء مرجّحا نظير كون الشيء دليلا ، فكما أنّ الثاني يحتاج إلى قيام دليل عليه ، وكذا الأوّل .
والحاصل : كما أنّ محتمل الدليليّة لا يكون دليلا كذلك محتمل المرجّحيّة لا يكون مرجّحا .
إن شئت فقل : إنّ مقتضى الأصل هو التخيير إلّا إذا قام دليل على مزيّة في أحد الخبرين ، فيؤخذ به تعيينا ، وأمّا إذا شكّ في وجود مزيّة فيه ، فتنفى المزيّة بأصالة عدمها .