شرح
ولا يخفى عليك أنّ المصنّف حكم بورود أدلّة القرعة على أدلّة التخيير مطلقا ، ولم يفصل بين التخيير الشرعي والعقلي ، بخلاف أصالتي الإباحة والاحتياط ؛ فإنّه فصل بينهما ، ولعلّ الوجه فيه هو أنّ التخيير ، سواء كان عقليّا أو شرعيّا ، فموضوعه هو التحيّر واقعا وظاهرا ، بخلاف أصالتي الإباحة والاحتياط ؛ فإنّ موضوعهما فيما إذا كانتا عقليّتين يغاير موضوعهما فيما إذا كانتا شرعيّتين ، فلذا تكون واردة على تقدير كونهما عقليّتين ، وحاكمة على تقدير كونهما شرعيّتين .
إن قلت : إنّ التفصيل بين التحيّر والشكّ لا وجه له ؛ إذ التحيّر عبارة أخرى عن الشكّ ، فكيف نقول بأنّ القرعة رافعة للتحيّر بالوجدان ، وتكون واردة على أصالة التخيير من دون تفصيل بين ما إذا كان مدركهما العقل والأخبار ، ولكن في أصالتي الإباحة والاحتياط تفصيل بين ما إذا كان مدركهما العقل والأخبار ، وتقول بالورود في الأوّل ، وبالحكومة في الثاني .
قلت : الفرق - بين أصالة التخيير وبين أصالتي الاحتياط والإباحة - هو أنّ أصالة التخيير دائما أصل عقلي ، ولا يوجد قسم منها شرعي ، ولكنّ الاحتياط والإباحة على قسمين : قسم منهما عقليّ ، وقسم آخر منهما شرعيّ ، فأصالة القرعة حيث إنّها أصل شرعي تصلح أن تكون بيانا يرفع موضوع كلّ قاعدة عقليّة يكون موضوعها عدم البيان ، كالبراءة العقليّة والإباحة العقليّة ، وكلّ قاعدة عقليّة يكون موضوعها احتمال الضرر ، كالاحتياط العقلي ؛ إذ مع القطع بالبيان الشرعي ، وهو حجّية أصالة القرعة نقطع بوجود البيان من الشارع ، ولا يبقى معه موضوع للتخيير مطلقا ؛ لأنّ موضوعه مطلقا التحيّر بمعنى عدم وصول البيان ، لا واقعا ولا ظاهرا .