شرح
ليس مستندا إلى العقل ، وإن كان حكم العقل موجودا في مورده ، كما عرفت .
فحينئذ لا إشكال في جريان استصحاب العدم الأزلي في هذا الأمر العدمي ، وهذا بخلاف الأمر الوجودي ، فإنّه لا يمكن أن يكون في مورد حكم العقل ولا يكون مستندا إليه ، بل يكون مستندا إلى غيره ، ومنه يظهر الوجه في تخصيص العلماء استصحاب حال العقل بالأمر العدمي ، وهو استصحاب البراءة الأصلية ، وعدم التزامهم بجريانه في الأمر الوجودي ، فإنّ الأمر الوجودي كالوجوب أو الحرمة ، لا بدّ أن يكون مستندا إلى حكم العقل ، ولا يتصوّر أن يكون له دليل آخر في المورد المذكور . وقد عرفت عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي ، وفي الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي ، وأمّا الأمر العدمي فيمكن أن يكون في مورد حكم العقل ، ولكن لا يكون مستندا إليه ، بل يكون مستندا إلى دليله الشرعي ، فيجري استصحاب حال العقل في العدمي دون الوجودي .
إن قلت : لما ذا لا يمكن أن يكون الأمر الوجودي ، كالوجوب أو الحرمة ، في مورد حكم العقل به مستندا إلى غير العقل ، ويمكن ذلك في الأمر العدمي ، أي عدم الحكم ؟
قلت : إنّ عدم الحكم قد يكون لأجل عذر عقلي ، وقد يكون لعدم مقتض للحكم ، فإنّه لو كان عدمه للأوّل ، كالنسيان وغيره ، فيكون مستنده هو العقل .
وأمّا لو كان عدمه لأجل عدم مقتض للحكم فيكون مستنده هو غير العقل ، وإن كان العقل في هذا الحال أيضا حاكما به ، كعدم الحكم في حال كونه صبيّا غير مميّز ، فإنّه يمكن أن يكون لعدم مقتض له . مع أنّ العقل أيضا حاكم به ، إلّا أنّ مستند عدم الحكم ليس هو حكم العقل ، ففي هذا الفرض يمكن استصحاب عدم الحكم ، ولكن وجود الحكم في مورد يكون العقل حاكما به