مسألة البراءة .
[ الثانية : محلّ النزاع في مجرى البراءة أو الاشتغال ]
الثانية : أنّ محلّ النزاع في مجرى البراءة أو الاشتغال ، هل يختص بمشكوك الوجوب والحرمة دون الندب والكراهة أم يعمّهما ؟ قولان ذهب إلى الاختصاص صاحب القوانين « 1 » مستندا إلى أنّ المراد البراءة من التكليف ولا يطلق التكليف على ما عدا الوجوب والحرمة نظرا إلى أنّ التكليف مأخوذ من الكلفة والمشقّة الغير الصادقة على غيرهما ممّا أذن في تركه . وضعّفه الفصول « 2 » بأنّ ذلك معنى التكليف لغة ، وأما في الاصطلاح فهو الأعم من ذلك قطعا لتناوله الوجوب والحرمة بأنواعهما قولا واحدا ، ومن الواضح أنّه لا كلفة فيهما وكان المتداول في كلامهم استعمال أصل البراءة في نفي الوجوب ، وأصل الإباحة في نفي التحريم والكراهة ، والتعميم أولى بالمقام لصلوح اللفظ له بالمعنى الّذي ذكرناه مع اشتراك الجميع في الأدلة .
فهذه الأحكام الأربعة كلّها مخالفة للأصل وإن كان مخالفة الوجوب والحرمة له باعتبارين ومخالفة الندب والكراهة له باعتبار واحد ، ولهذا يرجّح الندب على الوجوب والكراهة على التحريم عند دوران الأمر بينهما . انتهى .
وربما ضعّفه الأستاذ العلامة منتصرا لصاحب القوانين ، بأنّ المنفي بقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
« 3 » و
إِلَّا وُسْعَها
« 4 » إنّما هو التكليف اللغوي الخاص بكلفة الوجوب والحرمة لا التكليف الاصطلاحي العام لهما وللندب والكراهة ، ضرورة تأخّر ذلك الاصطلاح عن حال الخطاب فلا يحمل عليه ذلك الخطاب ، وبأنّ سائر أدلّة البراءة من قوله : « الناس في سعة ما لا
هامش
( 1 ) القوانين 2 : 14 .
( 2 ) الفصول : 351 .
( 3 ) الطلاق : 7 .
( 4 ) البقرة : 286 .