فالتحقيق تعيين كونه بمعنى القاعدة لكن لا لما ذكر ، بل لما ذكرنا من أنّ اصطلاحهم في الأصل ما لا يكون اعتباره من باب الكشف فإن كان المراد به الدليل أعني نفس « الناس في سعة ما لا يعلمون » « 1 » لكان الوجه أن يسمّوه دليلا لأنّ الرواية كاشفة عن حكم اللّه الظاهري واعتبارها أيضا من هذه الحيثية ، فحمل لفظ الأصل على ما جرى عليه اصطلاحهم أولى من حمله على المعنى اللغوي .
وأمّا الاستصحاب فهو وإن حسن إرادته أيضا بل وقع دليلا لإثبات البراءة كما سنذكره ، ولكن قد عرفت أنّ الملحوظ في الاستصحاب الحالة السابقة وهو غير ملحوظ عند الاستدلال بالبراءة فلا يحسن إرادته منه .
وأمّا وقوعه دليلا فلعلّه وقع على فرض التنزّل كما جعلوا دليل الانسداد في حجّية خبر الواحد رابع الأدلّة مع أنّ المقصود في الاستدلال إثبات الظن الخاص لا الظنّ المطلق ، مضافا إلى أنّ البراءة ممّا أجمع على حجّيته بخلاف الاستصحاب فإنّه محلّ خلاف فكيف يمكن أن يكون مرادا من أصل البراءة ؟
وأما عدم إرادة الراجح فلعلّه مقطوع به لأنّ الدليل في اصطلاحهم هو المثبت للعلم وما يتكرّر به الوسط لا نفس العلم من غير فرق في ذلك بين الاجتهادي والفقاهتي ، وكيف كان فالمراد من الأصل على أيّ من معانيه هو كلّ دليل لم يكن المنظور في حجّيته جهة الكشف والمرآتية عن الواقع وإن كان كاشفا ومرآة عنه ، والمراد من الدليل ما كان المناط والمنظور في حجّيته جهة الكاشفية والمرآتية عن الواقع ، فإن كان مثبتا للحكم الشرعي اختصّ باسم الدليل اصطلاحا وإن كان مثبتا للموضوع كاليد والسوق اختص باسم الأمارة فيقال :
أمارة الموضوعات ، كما يقال : أدلّة الأحكام ، ولا يقال : أدلّة الموضوعات ، كما لا يقال أمارة الأحكام اصطلاحا .
هامش
( 1 ) تقدم ذكر مصادره في ص : 198 الهامش ( 1 ) .