الاستحباب وجهان : أقواهما العدم ؛ لأنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّة التقرب المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا كما في كل من الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة ، وما ذكرنا من ترتب الثواب على هذا الفعل لا يوجب تعلق الأمر به ، بل هو لأجل كونه انقيادا للشارع والعبد معه في حكم المطيع ، بل لا يسمّى ذلك ثوابا .
ودعوى أنّ العقل إذا استقل بحسن هذا الإتيان ثبت بحكم الملازمة الأمر به شرعا مدفوعة بما تقدم في المطلب الأول ، من أنّ الأمر الشرعي بهذا النحو من الانقياد كأمره بالانقياد الحقيقي والإطاعة الواقعية في معلوم التكليف إرشادي محض لا يترتب على موافقته ومخالفته أزيد ممّا يترتب على نفس وجود المأمور به أو عدمه ، كما هو شأن الأوامر الإرشادية ، فلا إطاعة لهذا الأمر الإرشادي ولا ينفع في جعل الشيء عبادة ، كما أنّ إطاعة الأوامر المتحققة لم تصر عبادة بسبب الأمر الوارد بها في قوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
.
شرح
الأوّل أو الثاني أو هما معا لا يخلو عن تشويش ، وقد يستفاد منه اتّحادهما وإن كان الظاهر منه بعد التأمّل الاستناد إلى الوجه الثاني ، وعليك بالتأمّل في أطرافه ، ثمّ لا يخفى عليك أنّ ما حكاه عن الشهيد قدّس سره في الذكرى من الاستدلال لحكم المقام أعني مشروعيّة إتيان ما يحتمل الوجوب العبادي سواء كان من جهة اشتباه الحكم أو الموضوع ، وإن كان البحث المحرّر في الكتاب في الأوّل بالآيات المذكورة مبنيّ على إرادة معنى الاحتياط من التقوى ولو بقرينة قوله تعالى :حَقَّ تُقاتِهِ ،وقوله :مَا اسْتَطَعْتُمْ ،بحيث يشمل الشبهة الوجوبيّة ، وأمّا لو أريد منها ما يساوق الاحتياط في خصوص الشبهة التحريميّة وما يساوق الاجتناب عن المحرّمات فلا تعلّق للآيات بالمقام كما هو ظاهر .