تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
أو انه صامد ومستقر ؟ والمراد بالشك في المانع أن نشك في وجود القاطع والناقض لاستمرار البقاء تماما كقطع الشجرة المثمرة ، وهدم الحصن الحصين . ويظهر من عبارة الأنصاري أن الفقهاء المتأخرين يجرون الاستصحاب مع الشك في المقتضي ، قال : « المعروف بين المتأخرين الاستدلال بالأخبار على حجية الاستصحاب في جميع الموارد ، وفيه تأمل » . ونحن مع الذين منعوا الاستصحاب مطلقا وبشتى أقسامه إلا بعد الجزم والتثبت من استعداد المستصحب للبقاء والاستمرار في الوجود إلى زمن الشك وعملية الاستصحاب - على الأقل . والدليل على ذلك أن النقض لا يكون إلا بعد الإبرام والنقش بعد العرش ، قال سبحانه :
« الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
- 27 البقرة » . وقال :
« وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
- 91 النحل » . وقال :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
- 92 النحل » ومع الشك في المقتضي لا شيء ثابت ومبرم حتى نمضي عليه ونعمل به ولا نهدمه وننقضه ، واذن فالأخبار القائلة : لا تنقض اليقين بالشك - بعيدة كل البعد عن مورد الشك في المقتضي ، أما مع العلم بوجود الاقتضاء والاستعداد للاستمرار والبقاء فإن موضوع النقض يتحقق بالكامل ، فإذا ما طرأ الشك في حدوث الثالم والهادم للبناء فوجّه الخطاب بلا نقض اليقين بالشك . . أي امض وأنت شاك على ما مضيت عليه وأنت متيقن .

هل الاستصحاب بحاجة إلى دليل ؟

كل من يدعي شيئا ضروريا لا يطالب بالدليل لأن الضروري لا ريب فيه ، ولكن قد يشتبه الضروري بالنظري ، فيطلب عندئذ الدليل على المدعى به ، وانه ضروري لا نظري ، وفي رأينا أن الخلاف في مسألة الاستصحاب من هذا النوع ، وإن الذين استدلّوا عليه بالنص والعقل وبناء العقلاء أرادوا أن يثبتوا أن الاستصحاب ضروري ولا ينبغي أن يتطرق اليه الشك . اما نحن فلا نستدل على ذلك بعقل أو بنقل ، بل نتساءل : إذا ما قال قائل : كل ما ثبت باليقين لا يسوغ تجاهله ورفع اليد عنه إلا بدليل - نتساءل - هل هذه الحقيقة تحتاج إلى دليل ؟ وأيضا إذا لم نأخذ باليقين السابق فما ذا نصنع ؟