تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وقرأت الكثير من حوارهم وجدالهم وما رأيت واحدا تردد في صحة الاستصحاب ، وكل الذي رأيت أن العالم إذا احتج على آخر بالاستصحاب في مسألة من المسائل تحول النقاش إلى توافر شروطه وأركانه أو عدم توافرها في المسألة المختلف فيها ، لا إلى نفس الاستصحاب كحجة ودليل ، ومن أجل هذا وحرصا على الوقت المحدود نتجاهل الأدلة الخاوية الواهية على نفي الاستصحاب وعدم صحته .

بناء العقلاء

لقد دأب العقلاء في كل عصر ومكان ومن كل فئة ودين ، واعتادوا بفطرتهم التي فطرهم اللّه عليها في شؤونهم الخاصة والعامة - على أنهم إذا أيقنوا وتأكدوا من وجود شيء أو عدمه يمضون على يقينهم حتى يثبت العكس . وليس من شك ان كل معروف عند العقلاء فهو من صميم السنة النبوية شريطة أن لا يصطدم مع نهي الشارع ولا يتخطى الحدود الأساسية لدين اللّه وشريعته ، وانما أرجعنا بناء العقلاء بشرطه وشروطه إلى السنة النبوية ، لأن هذه السنة تتمثل بالاتفاق وتتجسم في قول النبي ( ص ) وفعله وتقريره ، وبناء العقلاء على الحال السابقة مظهر من مظاهر تقرير النبي وفرد من أفراده ، وعليه يكون الظن الحاصل منه معتبرا عند الشارع ، وخارجا عن الأصل العام الذي تكلمنا حوله في مبحث الظن ، وهو حرمة العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل . وهنا سؤال يطرح نفسه ، وهو بأي شيء تثبت أن النبي ( ص ) أقر العقلاء وعملهم بالحال السابقة ؟ . ونستوحي الجواب عن السؤال من قول النائيني : « إن اللّه سبحانه قد ألهم عباده بالجري على ما سبق في أمور معاشهم ومعادهم كيلا يختل النظام » . ومعنى هذا أن النبي يستحيل في حقه أن ينهى العقلاء عن طريقتهم هذه ما دامت إلهاما من اللّه ، ورفقا بعباده ، وحرصا على حياتهم وسعادتهم . . وإذن فلا حاجة بنا إلى القول بأن النبي ( ص ) لو ردع لنقل الرواة ردعه وزجره ، بل لو نقل ناقل عنه الزجر والحظر لوجب تأويله أو طرحه ،
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 357 | محمد جواد مغنية