تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
الأصل : البراءة أو الاحتياط ؟ - مثلا - الفقيه يعلم بوجوب هذه الصلاة التي يقيمها في الأوقات الخمسة من كل يوم ، ثم شك لعدم الدليل في أن الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام وقبل بسملة الحمد في الركعة الأولى هل هي واجبة كجزء من الصلاة أو غير واجبة ؟ فبأي أصل يأخذ في مثل هذه الحال ؟ . والأقوال في ذلك ثلاثة : الأول وجوب الاحتياط للعلم بالتكليف وشغل الذمة به ، وهذا العلم اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني بالاحتياط ، فيجب بحكم العقل دفعا للضرر . وهذا القول ضعيف ومتروك عند الكثرة الكاثرة من العلماء ، لأن احتمال الضرر الأخروي الذي هو الموضوع والموجب لحكم العقل بالاحتياط ، لا عين له هنا ولا أثر مع وجود الأدلة الشرعية على البراءة ، والأمن والأمان من الحساب والعقاب . ويأتي التفصيل . القول الثاني البراءة عقلا وشرعا ، وعليه الأنصاري ، القول الثالث البراءة شرعا لا عقلا ، وعليه النائيني وظاهر عبارة الخراساني في كفايته ، ونحن على ذلك مع العلم بأنه لا فرق جوهريا بين القول الثاني والثالث من حيث النتيجة وعدم الاحتياط ، والفرق أنه على القول الثاني تكون البراءة الشرعية تقريرا وإمضاء للبراءة العقلية ، وعلى القول الثالث تكون البراءة الشرعية واردة على حكم العقل بالاحتياط ورافعة لموضوعه بالبيان الآتي . وخلاصة السبب الموجب لحكم العقل بالاحتياط بصرف النظر عن الأدلة الشرعية - أن العلم الاجمالي يتنجز به التكليف وينفذ تماما كالعلم التفصيلي ، وان الإتيان بالأقل وحده وترك الجزء المشكوك يلازم حتما الشك في الامتثال ، لأن احتمال وجوب المتروك ما يزال قائما . ومتى حصل العلم بالتكليف ولو اجمالا ، وشككنا في الامتثال والخروج عن العهدة - قامت الحجة اللازمة ، وتمت العلة الموجبة لحكم العقل بالاحتياط والتحرر من مسؤولية التكليف بالامتثال اليقيني . وتسأل : ان العلم الاجمالي لا أثر له هنا لأنه غير منجز على كل تقدير بعد الفرض بأن وجوب الأقل معلوم بالتفصيل ، وانه لا بد من الاتيان به على كل حال ، إما وحده ، واما مع غيره ، وبتعبير أهل الأصول القدر المتيقن موجود ، ومعه ينحل هذا العلم الاجمالي ويذهب مع الريح ، ويكون الزائد في حكم المشكوك منذ البداية ، فيجري فيه أصل البراءة بلا معارض ؟ .
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 317 | محمد جواد مغنية