على طريق الأنصاري
سبقت الإشارة في الفصل المتقدم إلى أن المقصود بالبحث أولا الأصول الأربعة :
البراءة والتخيير والاحتياط والاستصحاب ، وابتدأ الشيخ الأنصاري بالبراءة ، وقسّم البحث فيها إلى الشبهة التحريمية والشبهة الوجوبية ، ثم قسّم كلا منهما باعتبار سبب الشك والاشتباه إلى مسائل أربع : عدم النص واجماله ومعارضته واشتباه موضوع الحكم في الخارج ، وأفرد كل مسألة ببحث خاص ، ونحاول نحن أن نسير في البحث على نهج الشيخ الواضح من حيث الترتيب .
الشبهة التحريمية
ومعنى الشبهة التحريمية أن يعلم الفقيه بالتفصيل حقيقة هذا الفعل كشرب التتن الذي مثل به الأنصاري ، وأيضا يعلم الفقيه باليقين أن هذا الفعل ليس بواجب ، ولكنه يجهل ويشك في حكمه الخاص عند اللّه : هل هو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الإباحة بالمعنى الأخص ؟ أي إما يجب ترك المشكوك حتما ، واما يجوز فعله لا بنحو الحتم والإلزام . هذا هو المراد بالشبهة التحريمية .
وأشرنا قبل قليل إلى أسباب الشك الأربعة ، ومنها عدم النص ، ونتكلم الآن حول الشبهة التحريمية التي تعرض للفقيه بعد جهده وعجزه عن الاطلاع على النص ومعرفته به ، وفي هذه المسألة قولان : الأول البراءة وعدم المسؤولية عن الحكم المشكوك ، وهذا القول لعلمائنا الأصوليين . والقول الثاني : وجوب الاحتياط بترك الفعل ، وهو للاخباريين كلهم أو جلهم . ونعرض أولا أدلة الأصوليين ، ونعقبها بأدلة الأخباريين .
آية نفي العذاب بلا بيان
استدل الأصوليون على البراءة بالأدلة الأربعة ، فمن الكتاب قوله تعالى :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
- 15 الاسراء » . قال صاحب الكفاية :
« ان هذه الآية أظهر الآيات التي استدلوا بها على البراءة » . ووجه الدلالة أن المراد بالبعث هنا تبليغ الأحكام ، وبالرسول البيان نقلا أو عقلا ، والمعنى