تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
ومعنى الكشف هنا أن العقل يستخلص ويكتشف من مقدمات الانسداد أن الشارع هو الذي جعل واعتبر الظن طريقا لطاعته وامتثال أمره دون أن يحكم العقل بشيء سلبا ولا ايجابا ، لأنه أداة كاشفة لا سلطة حاكمة . ومعنى الحكومة أن العقل يحكم هنا بأن الشارع يقبح في حقه أن يطلب من المكلّف الطاعة بغير الظن بعد أن انسد في وجهه باب العلم . وأيضا يحكم العقل مستقلا بأن المكلف لا يسوغ له أن يترك الامتثال بالظن إلى الامتثال بالشك أو الوهم ما دام الظن ميسورا أو ممكنا . ونحن مع صاحب الكفاية في قوله بالحكومة دون الكشف ، لأن مقدمات الانسداد بمجموعها تدور حول الطاعة والخروج عن عهدة التكليف ، وتفرض أن المكلف عاجز عن الامتثال العلمي ، وأن الاحتياط ليس بواجب ، وان الرجوع إلى أصل البراءة ليس بجائز ، وان الظن هو المتعين ، وان العقاب على العمل به قبيح بحكم العقل ، وأقبح منه أن يمتثل المكلف بالشك والوهم مع قدرته على الامتثال بالظن ، وكل ذلك يعود إلى الطاعة ، وكل ما يعود إلى الطاعة فهو من وظيفة العقل دون الشرع ، وإن أمر الشرع بالطاعة فأمره ارشاد إلى حكم العقل ، وليس انشاء وتأسيسا .

القياس بين الشرع والعقل

وتسأل : من المقرر أن القواعد والأحكام العقلية لا تقبل التخصيص ، وعليه فلو كان العقل مستقلا في الحكم بحجية الظن - كما ادعيت بناء على الانسداد - لما ساغ للشارع أن ينهى عن شيء من الظن أيا كان السبب الموجب له مع العلم بأن الشارع نهى عن القياس ، وأنكر أشد الإنكار على العاملين به حتى ولو حصل منه ألف ظن وظن ، فكيف نقض الشرع ما أبرم العقل وحرم ما أوجب ؟ وكل الراسخين في علوم الإسلام قد أوجبوا تقديم ما يشير به العقل إذا تعارض مع ظاهر الشرع ، ومعنى هذا وجوب العمل بالقياس حتى ولو نهى عنه الشرع ؟ . الجواب : إن العقل هنا لا يحكم بحجية الظن مطلقا ومن غير قيد ، وإنما يحكم بحجية