( الكفاية ) استثنى من ذلك صورة واحدة ، وقال : يسوغ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بشرط أن يتوافر في الخاص أمران : الأول أن لا يكون لفظيا يصنف العام إلى نوعين كالعادل والفاسق ، بل يكون الخاص من نوع آخر غير اللفظ كالحس والعقل والإجماع . الثاني أن يكون نظريا لا بديهيا ، لأن البديهي بحكم المتصل يدفع الظهور عن العام ، ويمنع دلالته على الفرد المشتبه منذ البداية ، كما سبقت الإشارة ، أما المخصص النظري فهو بحكم المنفصل لا يدفع ظهور العام ، ولا شيء يمنع من الأخذ به . وعليه يسوغ لنا التمسك بالعام لنفي الشك عن مراد المتكلم بالنسبة إلى الفرد المشتبه .
ومثال المخصص البديهي غير اللفظي قوله تعالى حكاية عن بلقيس :
« وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
- 23 النمل » . وبديهي انه ليس وراء « كل شيء » من شيء ، ولأجل ذلك علمنا بالضرورة أن هذا العموم مخصص بأشياء كثيرة . فإذا شككنا أن بلقيس هل كانت تملك بساط الريح - مثلا - فلا نتمسك بالعام ، وهو كل شيء ، لإدخال البساط في العام لمكان المخصص البديهي الذي هو بحكم المتصل .
ومثال المخصص النظري قوله تعالى :
« يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
- 11 النساء » . فإن وجوب الإرث في الآية يعم ويشمل كل الأولاد حتى من قتل أباه عن عمد ، ثم انعقد الإجماع « 1 » على أن هذا القاتل لا ميراث له من أبيه . والإجماع ، كما هو معلوم ، دليل نظري لا يمكن تحصيله إلا بالبحث والتنقيب ، وعليه يكون بحكم المخصص المنفصل لا يمنع ظهور العام من التمام والانعقاد ، فإذا حدث الشك في أن القتل كان خطأ كي يستحق الإرث ، أو عمدا كيلا يستحقه - فيجوز ، بناء على مبدأ صاحب ( الكفاية ) ، التمسك بالعام وإثبات حكمه لهذا الفرد المشتبه ، فنورثه من تركة أبيه ، لأن عنوان العام شامل وظاهر فيه ، ولا عنوان آخر يزاحمه ، كما هو الشأن في الخاص اللفظي .
ونكتفي بهذا التوضيح لما أراده صاحب ( الكفاية ) تاركين لغيرنا الإسهاب والإطناب .
واللّه ولي التوفيق .
هامش
( 1 ) قد يناقش بأن الاستثناء هنا بالنص لا بالاجماع ، وعليه يكون الخاص لفظيا لا لبيا ! . أجل ، ولكن النقاش في المثال ليس من أدب أهل التحصيل ، لأنه لمجرد التوضيح .