وأما بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة فقط فإن العام ظاهر الدلالة فيه ، ولا نعلم بخروجه عنه لا تفصيلا ولا إجمالا ، والخاص مجمل فيه كما هو الفرض ، وعليه يكون الشك في خروج مرتكب الصغيرة عن حكم العام - شكا في نفس التخصيص وانه موجود أو غير موجود ، فننفيه بالأصل ، ونثبت حكم العام للفرد المشكوك .
وأريد من القارئ أن يكون دائما على ذكر في أن التمسك بالعام جائز في الشبهة المفهومية دون غيرها بشرطين : الأول أن يكون الخاص مفصولا لا موصولا .
الثاني أن يكون مفهومه المجمل مرددا بين الأقل والأكثر لا بين المتباينين .
الشبهة المصداقية
3 - أن يكون إجمال الخاص المنفصل ناشئا عن اشتباه المصداق بسبب الظروف الخارجية دون المفهوم ، ومثاله نفس المثال السابق مع الفرق في أن الشك هناك كان في معنى الفاسق ومفهومه ، أما هنا فالمفهوم معلوم ، وانما الشك في صدقه وانطباقه على هذا الفرد المشكوك تماما كما لو رأيت شبحا من بعيد ، ولا تدري :
هل هو انسان أو شجرة لوجود الضباب ونحوه ، فأنت تعرف معنى الانسان ومعنى الشجرة ، ولكن لا تدري هذا الشبح من أيهما ، ولا طريق لديك إلى تمييزه ومعرفته .
وقد يعرض نظير هذا الاشتباه في مسائل شرعية ، كأن يقول الشارع :
« وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا » .
ثم يقول : كل زيادة في أحد العوضين من جنس واحد فهي ربا . وبعد هذا البيان وذاك يبيع فلان الفلاني زيت الزيتون لآخر بزيت القطن مع الزيادة في أحد العوضين ، واشتبه الأمر علينا : هل هذان البدلان من جنس واحد كي يبطل البيع لمكان الزيادة أو من جنسين كي يصح ؟ إن حدث ذلك ولا أصل موضوعي أو خبير يرفع الاشتباه - فهل لنا أن ننفي الربا عن هذا البيع ونحكم بصحته أخذا بظاهر العام وهو
« أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »
لأن هذه المعاملة الخاصة يصدق عليها اسم البيع وعنوانه في نظر العرف ؟ .
الجواب :
إن الأخذ بظاهر العام في هذا المورد وأمثاله هو عين التمسك في الشبهة المصداقية ، ولا يجوز ذلك بحال ، لأن الرجوع إلى ظاهر العام والتمسك به انما يصح إذا كان الشك في مراد المتكلم على وجه لو صرح بما يريد لارتفع الشك ، أما إذا كان