فانكشف خطأ العقل لان المذمومية عند الحكيم على الاطلاق ملازمة للمبغوضيّة عنده الملازمة لاستحقاق العقاب فحيث نفث الآية اللازم الآخر انتفى جميع الملزومات قلت هذا الوجه فاسد كالوجوه الآتية لما ذكره بعض من أن الرّسول اعمّ من الظاهري والباطني حتى يرد انه خلاف الظّاهر لا سيّما بملاحظة البعثة بل نقول إن الفساد
امّا اوّلا فلان ظاهر الآية وان كان نفي العذاب آجلا وعاجلا
إلّا انه بعد ملاحظة تفسير جمع من المفسرين على ما نقل من انّ المراد نفى التّعذيب في العاجل لا الأجل وملاحظة الأخبار الدّالة على تعذيب عبدة الأوثان وجريان عادة اللّه تعالى على تعذيب الأمم السّالفة في العاجل ان لم يظهر العاجل في نفى تعذيب العاجل فلا اقلّ من الإجمال الموجب بسقوط الاستدلال لأنّ القدر المتيقن هو نفى الآية العذاب في العاجل وهو لا يعارض ما دلّ على حجّية العقل وامّا ثانيا فلانا سلّمنا انّ الآية بنفي جنس العذاب آجلا وعاجلا لكن كون حذف المتعلّق مفيد للعموم ممنوع بل هو من باب المطلّقات وينصرف إلى الفرد الشّائع وهو هنا نفى التّعذيب عمّا يحتاج إلى البيان وفيما يستقلّ به العقل لا احتياج إلى البيان فلا ينصرف اليه الآية ولا يكون ذلك تقليد وان شئت فارجع إلى العرف فلو قال المولى لعبيده إذ لا أعذبكم في فعل حتّى ابعث إليكم رسولا يخبركم بما هو محبوبى ومبغوضى اثرى ان تقول انه ليس للمولى ح عقاب العبيد فيما يستقل به عقولهم كتلف أمواله وقتل أولاده وهتك حرمته معلّلين بانّه لم يبعث الرّسول ح وامّا ثالثا فبأنّها معارضة بقوله تعالى
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
بناء على التحقيق من حجّية منصوص العلة ونسبة التعارض بين المنطوقين اعمّ عن وجه مادة الاجتماع ما يستقلّ به العقل قبل البعثة ومادة افتراق الأولى عن الثّانية ما لا يستقل به العقل البعثة ومادة افتراق الثانية عن الأولى ما دل عليه دليل شرعي ومن المقرر في محله ان مادة الاجتماع في العامين عن وجه لا بدّ فيها من الرّجوع إلى المرجّحات والّا فالوقف وهاهنا لو لم يرجع الآية الثانية فلا أقل من التساوي والتساقط فيبقى ما ذكرنا من الدليل حجية العقل سليما عن المعارض
وامّا رابعا فبان تلك الآية ظاهرة
وما مر من الأدلة قاطعة فلا بد من تخصيص الآية بغير ما يستقل به العقل وتوهم ان حكم العقل تعليقى معلق على عدم ورود الشّرع وحجيته أيضا معلقة على عدم ورود الدليل الشّرعى غلط لان حكم العقل في الكبرى تنجيزى لا يجوزان يحكم الحكيم على خلافه نعم في الصغريات قد يحصل له الخطاء وهو خارج عن محلّ البحث
ومنها قوله ع الدال على انّ كل شيء مطلق حتّى يرد فيه امرا ونهى
حيث إن المتبادر من الأمر والنهى اللفظيان فح نقول إن ما يستقل به العقل مما لم يرد فيه امر أو نهى بالفرض وكلما كان كذلك فهو مطلق بالرواية والحاصل ان الظاهر من الرواية انه لا تكليف الا بعد الاطلاع على الأمر والنهى الواردين فما لم يرد فيه امرا ونهى أصلا أو ورد ولم تطلع عليه كان الشيء مطلقا فلا يرد ما يتوهم من انك من اين علمت عدم ورود الأمر في الواقع فلعله وارد وأنت ما عثرت عليه فكيف تقول انه مطلق لما عرفت من أن عدم الاطلاع كاف في الإطلاق والجواب امّا أولى فبانصراف الرّواية إلى ما يحتاج إلى البيان وفيما يستقل به العقل لا احتياج اليه كما ذكرنا في رد الآية الشّريفة وامّا
ثانيا فبانّها ظنّية والمسألة علميّة
لا يعمل فيها بخبر الواحد وامّا
ثالثا فبانّها ظاهرة وما مر من الأدلة على حجية العقل قاطعة
فلا بد من حمل الرّواية على الأعم من الأمر والنّهى اللّفظين أو تخصيصها بغير ما يستقل به العقل
ومنها ما رواه عبد الرّحمن ابن الحجّاج عن أبان بن تغلب
قال قلت لأبي عبد اللّه ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها قال عشرة من الا بل قلت قطع اثنين قال عشرون قلت قطع ثلاثا قال ثلاثون قلت قطع أربعا قال عشرون قلت سبحان اللّه تقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون ان هذا يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول الّذى جاء به شيطان فقال مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه ص ان المرأة تعاقل الرّجل إلى ثلث الدّية فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النّصف يا أبان انك اخذتنى بالقياس والسّنة إذا قيست محق الدين والدلالة ظاهرة وتوهم ان الاولويّة لعلّها كانت ظنية مط أو عند أبان فلذا منع المعصوم عنها مدفوع بان الاولويّة قطعيّة عند كل ذي مسكة إذ بعد ما كان الثلث فيه ثلاثون يقطع بان الأربعة لا تنقص عن الثلثين ويشهد على القطعيّة عند أبان تعجبه واستيحاشه بعد كلام الامام ع فان قلت إن الرواية تنفى حجية العقل فيما إذا كانت الاستفادة تبعية والمستفاد مستقلا كما هو مورد الرّواية وما مر من الأدلة دلت على حجّية ما يستقل فيه العقل من الجهتين فلا تعارض بين الرّواية وبين ما مضى قلنا إن كلّ من قال بحجّية العقل المستقل قال بحجية هذا القسم ومن لم يقل بحجّية هذا القسم لم يقل بحجية العقل المستقل فالتّعارض حاصل بضم الإجماع المركّب مضافا إلى تنقيح المناط المستفاد من الرّواية وهو تبعية احكام اللّه تعالى للصّفات وعدم درك العقل إياها وهذا موجود في العقل المستقل أيضا فان قلت
هاهنا مقامان أحدهما في تشخيص الصّغرى والأخر في حكم الكبرى ولعل منع المعصوم ع لأجل الخطاء في تشخيص الصّغرى لأنه في حكم الكبرى حتى تقول بما تقول قلنا انّ الظاهر من الرواية تعلّق المنع بالكبرى اعني الحكم كما يشهد عليه قوله يا أبان انك اخذتنى بالقياس والسّنة إذا قيست محقّ الدين فان قلت انّ انكاره لا بان قوله يا أبان انك اخذتنى بالقياس غير مناف لكون الخطاء في تشخيص الصّغرى نظرا إلى انّه بعد ما اجابه المعصوم ع بما أجاب وتعجب من قوله ع وقال سبحان اللّه اه فقال ع يا أبان انك اخذتنى بالقياس قلنا نعم لكن ظ قوله ع والسنّة إذا قيست محق الدين ظاهر في منع الكبرى والجواب ان الدلالة مسلّمة لكن الدليل ظني لا يقاوم القطعي فلا بدّ من الاقتصار على مورد النصّ والعمل فيما سواه على الدّليل القطعي
ومنها انّ المتصدق بجميع ماله مع عدم عرفانه
وليّ اللّه تعالى لا بد وان يكون مستحقا للثواب عن اللّه لقطع القوة العاقلة بحسن الاحسان مع انّه ورد في الخبر انه لا يثاب فيكشف عن خطأ العقل وعدم اعتباره وامّا الخبر فهو ما رواه ثقة