بل للقصود حصول الصّورة في ذهن المتكلم وان كان خبره مظنونا أو مشكوكا فيه أو موهوما أو معلوم الكذب وهذا ضروري لكل عاقل تصدى للاخبار مع أنه لو كان المقصود بالعلم هو الجزم المطابق لما أمكن الكذب وهو مقطوع الفساد بل امتناع الخلاف خلاف شان الأصل على أنه لا يتحصّل معنى للأصل في المقام
التاسع عشر انه قيل قد جرى العرب على انّهم إذا نسبوا شيئا إلى الخير والصّلاح أضافوه إلى لفظة صدق
كما يقال رجل صدق يعنى رجلا صالحا وليس المراد بالصّدق ما يقابل الكذب ومنه قوله تعالى ولقد بوّأنا بني إسرائيل مبّوأ صدق وقيل كل ما نسب إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصّدق كقوله تعالى مبوّء صدق وكقولهم دار صدق وفرس صدق وقيل انّ الصّدق يستعمل في مطلق الجودة كما يقال خل صادق الحموضة وعنب صادق الحلاوة ومنه ما في الدّعاء وهب لي صدق الهداية
العشرون انه قد حكم التفتازاني [ بان الخبر يدلّ على الصّدق واما الكذب فليس بمدلوله بل هو نقيضه ]
في شرح التلخيص في أوائل بحث الاسناد الخبري تبعا لما نقله عن بعض المحقّقين المقصود به المحقق الرّضى بان الخبر يدلّ على الصّدق واما الكذب فليس بمدلوله بل هو نقيضه قال قولهم يحتمله لا يريدون ان الكذب مدلول لفظ الخبر كالصدق بل المراد انه يحتمله من حيث إنه هو اى لا يمتنع عقلا ان لا يكون مدلول اللفظ ثانيا أقول ان الصّدق انما هو مطابقة الخبر للواقع بناء على كون المدار في الصّدق والكذب على المطابقة والمخالفة للواقع كما هو المشهور والمنصور حيث إن الصدق كالكذب صفة للخير ولا يكون الصّدق نفس الواقع كيف لا ومن الواضح غاية الوضوح ان قيام زيد مثلا لا يتّصف بالصدق لو قيل قام زيد وكان زيد قائما ولا مجال لدلالة الخبر على مطابقته للواقع كيف لا ولا مجال لدلالة الذّات على وصفه مع انّ الخبر بنفسه بالنسبة إلى مطابقته للواقع ومخالفته له على السّواء فلا وجه لدلالته على المطابقة للواقع والظاهر أن منشأ الحديث المذكور اشتباه المطابقة للواقع بالواقع إذ لو قيل مثلا قام زيد وكان زيد قائما فقيام زيد مدلول الخبر إلّا انّه مبنى على فرض تحقق القيام لزيد في الواقع فلا يتأتى الدلالة على الصّدق كلية ولو كان الصّدق هو الواقع مع أن القيام المتحقق في الواقع انما هو القيام الجزئي المتشخص والقيام الواقع محمولا في القضية الخبرية المدلول عليه بها انّما هو القيام الكلى فلا بد في الدلالة على الصّدق من قيام امارة من الخارج كغلبة الصّدق على فرض ثبوتها أو قيام ما يقتضى ويقضى بلزوم البناء على الصّدق تعبدا هذا ومقتضى المقالة المذكورة اصالة الصّدق من باب الأصل الكاشف من الواقع إلّا انّه لا يتاصل أصل في مورد بواسطة نفس المورد بل لا بد في تاصيل الأصل من الرّجوع إلى ما يقتضى من الخارج تأسيس أصل الكاشف عن الواقع أو أصل تعبدي وقد تقدم وجه آخر لتأسيس اصالة الصّدق وتزييفه
الحادي والعشرون انّه قد ذكر المحقّق الرضى عند الكلام في أسماء الافعال انّ الكذب يستعمل في الاغراء
حيث انّه عندهم في غاية الاستهجان وممّا يغرى بصاحبه وباخذه فصار معنى كذب فلان الاغراء به اى الزمه وخذه فانّه كاذب وإذا قرن بعليك صار أبلغ في الاغراء كأنك قلت افترى عليك فخذه ثمّ استعمل في الاغراء بكل شيء وان لم يكن ممّا يصدر عنه الكذب نحو قولهم كذّب عليك العسل اى عليك بالعسلان وكذب الحج اى عليك به وهو قد حكى عن بعض نقل الاختلاف نقل في اعراب ما بعده على القول بالرفع والنّصب وذكر في توجيه النّصب انّه كما جاز ان يصير نحو عليك وإليك بمعنى فعل الامر فينصب به جاز ان يصير كذب وكذب عليك بمعنى الامر فينصب به كما ينصب بالزم
الثاني والعشرون [ في أن قبح الكذب وحرمته ينافي حسن الصبر ]
انّه ربّما يتوهّم انه لو اخبر شخص بإيذاء شخص في المستقبل من باب الانتقام فقبح الكذب وحرمته ينافي حسن الصبر واستحبابه بل وجوبه الانجرار الانتقام إلى الايذاء وهو حرام بل الوجوب مقتضى بعض الآيات قضية عد اللّه سبحانه الصّبر عن الانتقام من عزم الأمور إذ الغرض انّه من معزوم الأمور اى ممّا يجب العزم عليه قضية لزوم الحمل على الانشاء بمقتضى لزوم الكذب لولاه لكن يندفع ذلك بان قبح الكذب وحرمته بالنسبة إلى الاخبار بارتكاب امر في المستقبل انما يتأتى فيما لو كان