ثالثها : ما ذكره المحقّق الخراسانيّ ( رحمه الله ) من أنّ الجهالة المذكورة في التعليل ليست بمعنى عدم العلم ، بل بمعنى السفاهة والتصرّف غير المتزن ، فلا يشمل خبر العادل الثقة ، لأنّه ليس سفاهة ولا تصرّفا غير متّزن « 1 » .
الوجه الثاني : أن يستدلّ بمفهوم الوصف ، حيث أنيط وجوب التبيّن بفسق
شرح
جعل الجية والطريقية للخبر غير العلمي ، فيحصل - عندئذ - التنافي بين هذين المفادين ، ولا يكون أحدهما حاكما على الآخر
( 1 ) فالشيخ الآخوند ( رحمه الله ) يرى أن المقصود من الجهالة الواردة في التعليل في الآية الكريمة ليس عدم العلم ، بل السفاهة التي هي التصرف غير المتزن الذي لا ينبغي صدوره لدى العقلاء ، فالعمل بخبر الفاسق بدون تبيّن فيه سفاهة ، ولهذا يجب التبيّن منه ، وهذه العلة تنحصر في العمل بخبر الفاسق ، وأما العمل بخبر العادل فإنه لا يؤدي إلى إصابة القوم بسفاهة ، ولذلك فالتعليل لا يشمل نبأ كل من الفاسق والعادل ، لأن الموضوع ليس هو النبأ غير العلمي ، سواء كان الجائي به فاسقا أو عادلا ، إنما هو خصوص نبأ الفاسق ، ومن ثم فإن التعليل ، لا يشكل قرينة على أن مجيء الفاسق ليس علة منحصرة لوجوب التبيّن ، أو أن وجوب التبيّن ليس ملتصق بمجيء الفاسق ، ولذلك يمكن التمسك بظهور الآية في المفهوم * .
هامش
( * ) وقد أشكل السيد الشهيد على هذا الجواب في البحوث : بأن الجهالة يراد بها في الآية عدم العلم ، وليست السفاهة ، وذلك بقرينة قوله تعالى في آخر الآية :( فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) ،حيث إن الندم يحصل عند الوقوع في مخالفة الواقع ، فتكون الجهالة بمعنى عدم العلم ، لا بمعنى إصابة القوم بسفاهة .
وفيما ذكره السيد الشهيد ( رحمه الله ) على جواب الشيخ الآخوند ( رحمه الله ) تأمل ، لأن الندامة تحصل من الوقوع في مخالفة الواقع ، فيكون معنى الجهالة هو عدم العلم ، كما أنها تحصل من العمل السفهي للإنسان الذي لا ينبغي صدوره لدى العقلاء ، فيندم على صدور مثل هذا العمل لذم العقلاء له ، فذيل الآية لا يمكن أن يكون قرينة على تفسير الجهالة بعدم العلم كما يرى المشهور ، ويجب حينئذ من الرجوع إلى اللغة لتحديد معنى الجهالة ، ويذكر الشيخ المظفر ( رحمه الله ) في أصوله بهذا الصدد أن الجهالة في لغة العرب هي السفاهة ، وأن تفسيرها بعدم العلم حصل بعد نقل التراث اليوناني إلى اللغة العربية .