تقتضي البقاء والاستمرار ، وليس حدوثها هو الذي أفاد الظن ببقائها ، وانما هي بنفسها شيء ثابت ، ولا يزول إلّا عند طرو أمر آخر يرفعها ، كالنجاسة التي ترفع الطهارة .
أما لو فرضنا انا علمنا بحدوث اشتعال شمعة بالأمس ، فان مجرد حدوث الاشتعال لا يقتضي بقاءه ، باعتبار أن الشمعة المشتعلة بطبيعتها تتصرم وتتلاشى .
وهكذا لو علمنا بالأمس بدخول حشرة معينة للغرفة ، فان العلم بحدوث ذلك لا يقتضي الظن ببقائها اليوم .
إذا العلم بالحدوث بمجرده لا يقتضي الظن بالبقاء ، وانما قد تكون هناك خصوصية في الحالة السابقة تقتضي الظن بالبقاء .
وقد استشهد البعض بالسيرة العقلائية ، لإفادة الحالة السابقة للظن بالبقاء ، باعتبار انه لو لم يكن الاستصحاب مفيدا للظن بالبقاء لما عمل به العقلاء ، اي ان سيرة العقلاء قائمة على العمل بالاستصحاب ، فالانسان الذي يغيب فترة طويلة عن بيته يعود اليه ، وهكذا يكرر العودة إلى المحلات ذاتها استصحابا لبقائها ، وهذه السيرة لا بد فيها من حيثية كاشفية مفيدة للظن ، لأن العقلاء ينبغي ان تنشأ سيرتهم من نكتة معينة ، وهذه النكتة هي إفادة الاستصحاب للظن بالبقاء .
من هنا يمكن القول : ان الاستصحاب يفيد الظن بالبقاء ؛ لأن سيرة العقلاء جارية عليه ، وهي لا بد من أن تكون بنكتة معينة ، وليست هي إلّا الظن بالبقاء .
لكن هذا الكلام غير تام ؛ لأنه مع القول بوجود هذه السيرة العقلائية ، فالمناسب ان نفسرها لا على أساس ان العقلاء انما يعملون بالاستصحاب باعتبار حيثيته الكاشفة وافادته الظن ، وانما باعتبار الألفة والعادة ؛ لأن طبيعتهم تقتضي
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية — صفحة 291
مساهمون: عبد الجبار الرفاعي
ص٢٩١